تأكيد جازم ومقرر لسهولة إذهاب الخلق والإتيان ببديل عنهم على القدرة الإلهية النافذة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 465)جامع البيانالطبري٢٠/٤٦٥: «يقول تعالى ذكره: وما إذهابكم أيها الناس والإتيان بخلق جديد سِواكم بممتنع على الله ولا متعذر، بل هو هين يسير وسهل عليه؛ لأن أمره نافذ إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون».
وقال ابن كثير: «أي وما هذا بممتنع عليه ولا بمعجز له، بل هو سهل يسير عليه جداً إذا خالفوا أمره أن يذهبهم ويأتي بآخرين على غير صفاتهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية أو عاطفة، «ما» نافية تعمل عمل ليس (حجازية) أو مهملة (تميمية).
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني في محل رفع اسم «ما» (أو مبتدأ)، واللام للبعد والكاف للخطاب، والإشارة تعود إلى الإذهاب والإتيان بخلق جديد المذكورين في الآية السابقة.
{عَلَى اللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {عَزِيزٍ}.
{بِعَزِيزٍ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، {عَزِيزٍ}: خبر «ما» مجرور لفظاً منصوب محلاً (أو خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة).
و«العزيز» هنا مشتق من «عَزّ الشيء» إذا قلّ وامتنع وصعب ونَدُر، فالمعنى: ليس ذلك بممتنع ولا شاق ولا متعذر على الله تعالى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية كتذييل توكيدي للآية السابقة؛ لقطع أي شبهة أو استبعاد عقلي قد يخطر ببال الجاحدين؛ إذ قد يتوهم واهم أن إفناء مليارات البشر وإيجاد خلق بديل عنهم أمر عظيم تنوء به القدرة أو يتعذر، فنفى الله هذا التوهم بأسلوب النفي المؤكد بالباء الزائدة، ليقرر أن أصعب المستحيلات في حسابات البشر هينة لينة في مقادير الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قياس قدرة الله على قدرة المخلوقين: يقع الماديون في وهم قياس أفعال الخالق على طاقات البشر؛ فيظنون أن إزالة نظام بيئي أو بشري كامل يتطلب جهوداً عاتية وأزمنة مديدة.
دحض الشبهة بالمحاكمة العقلية: تقرر الآية التمايز المطلق بين قدرة الفاطر الخالق وقدرات المخلوقات؛ فالإيجاد والإعدام عند الله يتعلقان بالإرادة والمشيئة المطلقة بلا ممارسة ولا علاج ولا تعب: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، فليس في مقدورات الله شيء «عزيز» أي ممتنع، فالكل في قبضته سواء.
زيادة حرف الجر «الباء» في خبر النفي: {بِعَزِيزٍ}؛ لإفادة توكيد النفي وإلغاء أي احتمال للعجز أو الامتناع.
استعمال اسم الإشارة للبعيد في {ذَٰلِكَ}: للإشارة إلى عظم الفعل ومهابته في أنظار البشر (الإفناء التام والاستبدال)، ومع عظمته فهو على الله يسير.
الإيجاز البليغ في التذييل: أربع كلمات قرآنية تخرس كل شبهة وتملأ القلب هيبة وخشية من الجبار سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار عظمة القهار وصغار النفس: أن يدرك الإنسان قدر نفسه؛ فمهما عظم شأنه وملك من أسباب القوة، فإن إفناءه لا يعجز ربه ولا يشق عليه، فيورثه ذلك توبة وإخباتاً.
اليقين بنصرة الحق وبوار الباطل: إذا كان إفناء البشرية سهلاً على الله، فإن إهلاك الطغاة والظالمين ونصرة المستضعفين أهون وأيسر، فليثق المؤمن بربه ولا يقنط من تأخر النصر.