كشف عن الدوافع الحقيقية لنفور المشركين؛ وهو الاستكبار عن اتباع الحق والمكر السيئ بالنبي والمؤمنين، وإعلان القانون الإلهي الصارم بأن المكر السيئ يحيق بصاحبه ويهلكه، وتقرير سنن الله التاريخية المطردة في إهلاك المكذبين التي لا تتبدل ولا تتحول.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 513)جامع البيانالطبري٢٠/٥١٣: «يقول تعالى ذكره: كان نفورهم عن الإيمان استكباراً في الأرض وعتواً عن الانقياد للحق، ومكراً سيئاً وهو مكرهم بالنبي ﷺ والشرك بالله؛ كما مكروا في دار الندوة ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه. ولا ينزل ولا يحيط جزاء المكر السيئ وعقابه ووباله إلا بأهله الذين يمكرونه دون غيرهم. فهل ينتظر هؤلاء المشركون إلا سنة الله في إهلاك الأمم السابقة المكذبة لرسلها؟! فلن تجد يا محمد لسنة الله في خلقه تغييراً ولا تبديلاً بإنزال العذاب بغير مستحقه، ولن تجد لسنة الله تحويلاً بصرف العذاب عن مستحقه إلى غيره إذا نزل بهم».
وقال قتادة في قوله: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}: «هو مكرهم بالشرك، ووقع وباله عليهم يوم بدر بالقتل والأسر».
وقال كعب الأحبار للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما: «إني أجد في التوراة: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها»، فقال العباس: «أنا أجدها في كتاب الله: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اسْتِكْبَارًا}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة معلل للنفور المذكور قبله؛ أي نفروا لأجل الاستكبار، أو حال من فاعل «زادهم»؛ أي مستكبرين. والاستكبار: طلب الكبر والتعالي بغير حق ورفض الانقياد للحق.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلق بـ {اسْتِكْبَارًا}.
{وَمَكْرَ}: معطوف على «استكباراً» منصوب بالفتحة، وهو مضاف، وأصله مكر المكر السيئ.
{السَّيِّئِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة من إضافة الموصوف إلى صفته (أصله: ومكرهم السيئ)، أو مضاف لمصدره. وقرأ حمزة في الوصل بإسكان الهمزة «ومكرْ السيئ» تخفيفاً، وقرأ الجمهور بكسر الهمزة {وَمَكْرَ السَّيِّئِ}.
{يَحِيقُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، ومعنى يحيق: يحيط وينزل ويلازم ويلزم لزوماً لا فكاك منه، مأخوذ من حاق به الشيء إذا نزل به واستدار وأحاط به من كل جانب.
{الْمَكْرُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{السَّيِّئُ}: نعت للمكر مرفوع بالضمة.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{بِأَهْلِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَحِيقُ}، والهاء مضاف إليه.
{فَهَلْ}: الفاء فصيحة عاطفة، «هل» حرف استفهام إنكاري متضمن معنى النفي والتهديد.
ثم صاغ القانون النفسي والجزائي الحتمي: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.
ثم صاغ القانون التاريخي الجمعي الصارم: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}.
هذا الانتقال والتدرج يغلق كل منافذ الأمل أمام الطغاة الماكرين؛ فمكرهم مردود إلى نحورهم بنص قطعي، وعذابهم آتٍ بسنة ثابتة لا تحابي أحداً ولا تتخلف في عصر من العصور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إفلات بعض الماكرين من العقاب في الدنيا: يرى بعض المتعجلين أن كثيراً من أهل المكر والظلم يعيشون في نعيم ويموتون دون أن يحيق بهم مكرهم في ظاهر الأمر.
رد الشبهة والتحقيق السنني والشرعي:
القانون القرآني {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} قانون عام ومطلق يعمل على مسارين؛ مسار الدنيا ومسار الآخرة:
في الدنيا: قلّ أن يمكر ماكر شراً إلا ارتد عليه في نفسه أو ماله أو سمعته أو نهاية أمره وخزيه التاريخي؛ فقريش مكرت بالنبي ﷺ فكان وبال مكرهم مصارعهم في قليب بدر.
في الآخرة: الجزاء الأوفى والحسم المطلق؛ فكل مكر لم يُقتص منه في عاجل الدنيا فإن ناره تحيط بصاحبه إحاطة تامة يوم القيامة، فالحيوق حتمي، وتأخيره لحكمة واستدراج، فما فلت ظالم ولا نجا ماكر من قبضة العدل الإلهي.
إضافة الصفة إلى الموصوف في {مَكْرَ السَّيِّئِ}: لإبراز تغلغل السوء في مكرهم حتى صار السوء كأنه ذات المكر ومادته.
استعمال الفعل {يَحِيقُ}: اختيار لفظي معجز يصور المكر السيئ كأنه شبكة صيد أو دائرة نار تضيق رويداً رويداً حتى تحيط بمن نسجها وتلتهمه وحده.
القصر والحصر بـ {لَا... إِلَّا} في موضعين: الأول لقصر انطباق وبال المكر على أهله، والثاني لحصر مصيرهم في ترقب سنة الأولين.
الفرق الإعجازي بين {تَبْدِيلًا} و{تَحْوِيلًا}:
التبديل: تغيير جوهر السنة؛ كأن يُرفع العذاب عن المكذبين ويُبدل بالكرامة والنصر.
التحويل: تحويل مجرى السنة؛ كأن يُصرف العذاب عن الظالمين المستحقين له ويُنزل بالصالحين أو بغيرهم ظلماً.
فنفى الله تعالى الأمرين بـ «لن» التأبيدية، لتقرير الثبات المطلق لسننه العادلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
طمأنينة المظلوم ورعب الماكر: أعظم ما يثبت قلوب الدعاة والمظلومين أمام مؤامرات الباطل وكيد الأعداء هو اليقين بأن {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}؛ فالمكر السيئ رصاصة ترتد حتماً إلى صدر راميها، وسلاح يدمر حامله.
فقه السنن الربانية التاريخية: دعوة المسلمين إلى دراسة التاريخ البشري من خلال سنن الله الثابتة؛ فلا يغتروا بانتفاش الباطل وقوته، فإن سنة الهلاك والاستئصال تتربص بكل مستكبر ماكر، والواجب هو الاستمساك بالحق وتجنب المكر والظلم.