تسلية إلهية بالغة للنبي المصطفى ﷺ، وتثبيت لفؤاده الشريف تجاه عناد قريش ومكابرتهم بعد إقامة الحجج الدامغة عليهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 441)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤١: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قومك فيما أتيتهم به من عند ربك من توحيد الله وإخلاص العبادة له، فاصبر واحتسب؛ فإن لك فيمن قبلك من رسل الله أسوة؛ فقد كُذبت رسل من قبلك جاءوا أممهم بمثل ما جئت به قومك من الحق فصبروا على الأذى والتكذيب حتى أتاهم نصرنا».
وقال ابن كثير: «يعزي تعالى نبيه ﷺ في تكذيب من خالفه من قومه، ويأمره بالتأسي بمن سلف من الرسل الكرام الذين كذبهم أقوامهم فقوبلوا بالصبر، ثم جعل الله العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة».
وقوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}: أي إليه وحده المعاد والمصير، فيفصل بين الرسل وأممهم بالقسط، وينتقم من المكذبين ويثيب الصابرين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِن}: الواو استئنافية، «إن» حرف شرط جازم لمجرد التعليق في المستقبل.
{يُكَذِّبُوكَ}: فعل الشرط مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به.
{فَقَدْ}: الفاء واقعة في جواب الشرط، «قد» حرف تحقيق يفيد ثبوت وقوع التكذيب في السابق.
{كُذِّبَتْ}: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث الساكنة.
{رُسُلٌ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة. وبناء الفعل للمجهول هنا للتركيز على وقوع الحدث ولأن الفاعل معروف وهم الأمم المكذبة السالفة.
{مِّن قَبْلِكَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ {رُسُلٌ}، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه. وجواب الشرط محذوف تقديره: فلا تحزن وتأسّ بهم واصبر، ودل عليه قوله: {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ}.
{وَإِلَى اللَّهِ}: الواو عاطفة أو استئنافية، والجار والمجرور متعلق بـ {تُرْجَعُ}، وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر والاختصاص؛ أي إليه وحده لا إلى غيره.
{تُرْجَعُ}: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بضم التاء وفتح الجيم {تُرْجَعُ} مبنياً للمجهول، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف بفتح التاء وكسر الجيم {تَرْجِعُ} مبنياً للمعلوم.
{الْأُمُورُ}: نائب فاعل على قراءة البناء للمجهول، أو فاعل على قراءة البناء للمعلوم، مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو جمع أمر، والمراد به جميع شؤون الخلائق ومصائرهم وأعمالهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما أقام الله البراهين العقلية والفطرية الساطعة على التوحيد في الآية السابقة وتوعد المعرضين بقوله {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}، كان المترقب أن يقابل ذلك المشركون بالجحود والمكابرة، فنزل الخطاب مواسياً لقلب النبي ﷺ ومثبتاً له: ألا تحزن من تكذيبهم؛ فإن هذا شأن أهل الضلال مع أنبياء الله عبر التاريخ.
اقتران التسلية بالتذكير بالمرجع الأخير: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}؛ إشعاراً بأن المعركة بين الحق والباطل ليست متروكة للمصادفة ولا لأهواء الظالمين، بل كل الأمور مرجعها إلى الحكيم العدل الذي يجزي كل نفس بما تسعى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أن تكذيب الأكثرية دليل على بطلان الدعوة: يزعم المعاندون وأهل الأهواء أن رفض الجموع لدعوة التوحيد وثباتهم على دين الآباء يقدح في صحة الرسالة.
رد الشبهة بالاستقراء التاريخي: أثبتت الآية بسنة مطردة أن تكذيب الأمم للرسل ظاهرة متكررة في تاريخ البشرية ناتجة عن استكبار النفوس وركونها إلى الشهوات والتقليد الأعمى، وليست دليلاً على خلل في الحجة ولا عيب في الداعية؛ فالرسل هم أكمل الخلق عقلاً وصدقاً ومع ذلك كُذبوا، فالعبرة بالحق والدليل لا بكثرة الكاذبين ولا بغلبة المبطلين في جولة من جولات الدنيا.
تنكير {رُسُلٌ}: لإفادة التعظيم والكثرة؛ أي رسل كرام أولو عزم وشأن عظيم قد أوذوا وكُذبوا، فلك فيهم خير أسوة.
تقديم الجار والمجرور {وَإِلَى اللَّهِ}: لإفادة القصر والتحذير الرادع؛ أي لا مهرب لأحد ولا ملاذ للمكذبين إلا إلى محكمة العدل الإلهي التي لا يضيع عندها حق.
إيجاز الحذف في جواب الشرط: حذف الجواب تقديره (فاصبر واثبت ولا يضق صدرك) لعلم المخاطب به، وهو أبلغ في تأكيد المعنى وتفخيم العواقب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
زاد الداعية في مواجهة الصدود: ينبغي لكل داعية ومصلح يواجه التكذيب أو الإعراض ألا ييأس ولا ينكسر؛ فإن طريق الأنبياء محفوف بالابتلاء، والواجب هو البلاغ المبين وليس إلزام الناس بالهداية.
السكينة بيقين المآل: قوله {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} يمنح القلب طمأنينة لا تزلزلها عواصف التكذيب؛ فالأمر كله لله، والمستقبل لهذا الدين، والجزاء الأخروي كفيل بإنصاف الصابرين.