حصر رباني لمهمة النبي المصطفى ﷺ في البلاغ والإنذار، وتجريد له من تبعة إجبار المعاندين على الإيمان، وتسلية لفؤاده الشريف.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 472)جامع البيانالطبري٢٠/٤٧٢: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ما أنت يا محمد إلا رسول نذير تنذر قومك وعقاب الله من كفر به وعصاه، وليس عليك إكراههم ولا إدخال الإيمان في قلوبهم قسراً؛ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب».
وقال ابن كثير: «أي إنما عليك أن تبلغهم وتنذرهم، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولست بمسيطر عليهم ولا مسؤول عن كفرهم بعد البلاغ المبين».
وقال قتادة: «بُعث النبي ﷺ نذيراً بين يدي عذاب شديد، فمن أطاعه فإلى الجنة، ومن عصاه فإلى النار، وما كلف هداية القلوب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنْ}: حرف نفي مبني على السكون بمعنى «ما».
{أَنتَ}: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ ملغاة.
{نَذِيرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، فعيل بمعنى مفعل (منذر) من الإنذار؛ وهو الإعلام المخوّف المقترن بالتحذير من عواقب الشر قبل فوات الأوان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية في موقع النتيجة الحتمية لما قبلها؛ فلما قرر في الآية السابقة: {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ}، بيّن هنا حقيقة وظيفته المنوطة به: {إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ}؛ أي: إن كان أولئك كالموتى في القبور لا يسمعون سماع قبول، فلا تبتئس ولا تظن أنك مقصر؛ فإن مهمتك مقصورة على الإنذار والبلاغ، وليس إليك إحياء الموتى وإسماع الصم.
صياغة حاصرة بالغة الإيجاز ترسم معالم حدود النبوة والدعوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أن حصر الوظيفة في النذارة ينافي كونه بشيراً ومشرعاً وقائداً: يزعم بعض الطاعنين أن نفي ما سوى النذارة في الآية يعارض الآيات الأخرى كقوله {بَشِيرًا وَنَذِيرًا}.
رد الشبهة بالمحاكمة البلاغية والسياقية: أسلوب القصر هنا هو «قصر إضافي» مقيد بالسياق، لا قصر حقيقي مطلق؛ فالمقصود قصر وظيفته على الإنذار والبلاغ في مقابلة زعم المشركين ومطالبتهم إياه بالآيات القاهرة وإلزامهم بالهداية أو حلول العذاب العاجل، والمعنى: ما أنت إلا نذير تملك التحذير لا تملك الجبر ولا الإلزام ولا إنزال العذاب؛ وليس المراد نفي صفة البشارة والتشريع الثابتة له قطعا بنصوص القرآن المتكاثرة ومنها الآية التي تليها مباشرة.
أسلوب القصر والحصر بالنفي والاستثناء: {إِنْ... إِلَّا}؛ لتحديد طبيعة الرسالة وتفريغ قلب النبي ﷺ من أثقال الإحباط والغم عند صدود المكذبين.
الإيجاز الإعجازي: جملة ثلاثية الكلمات {إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ} تختصر فلسفة الدعوة النبوية بأسرها؛ فالدعوة بلاغ ورحمة، وليست تسلطاً ولا قهراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير عقلية الداعية من عقدة النتائج: الداعية مأمور ببذل الجهد وإتقان البيان والإنذار بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكنه غير محاسب على استجابة الناس؛ فإن الهداية منحة إلهية محضة، وهذا يمنح المصلح ثباتاً واستمراراً حتى لو بقي وحيداً في طريق الحق.
استشعار الشفقة النبوية على الخلق: لقد كان حرصه ﷺ على نجاة أمته يدعوه إلى تفطّر قلبه ألماً، فكان الخطاب الرباني ينزّل عليه السكينة ليرشده إلى حصر طاقته في البلاغ المتقن.