مناظرة قرآنية مفحمة وتحدٍ صاعق لأهل الشرك ينسف أصول عبادتهم للأوثان؛ بمطالبتهم بالدليل العقلي (الخلق والمشاركة في الملكوت)، أو الدليل النقلي (كتاب من عند الله)، وإذا انتفى الدليلان ثبت أن شركهم قائم على الخداع والغرور المحض.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 506)جامع البيانالطبري٢٠/٥٠٦: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أخبروني عن هؤلاء الشركاء الذين تعبدونهم وتدعونهم من دون الله لقضاء حوائجكم؛ أروني أي جزء خلقوا من أجزاء الأرض؟ هل خلقوا فيها جبلاً أو شجراً أو بحراً؟ أم هل لهم شركة ومظاهرة مع الله في خلق السماوات وتدبيرها؟ أم أنزلنا عليهم كتاباً من السماء فهم على حجة وبرهان منه بما يشركون؟ لا شيء من ذلك البتة. بل ما يعِد هؤلاء الظالمون بعضهم بعضاً بالشفاعة والنجاة والنصر إلا باطلاً وخداعاً وغروراً يغر به الشيطان أتباعه».
وقال قتادة في قوله: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ}: «أي هل خلقوا فيها شيئاً يسيراً؟ لا والله ما خلقوا منها شيئاً ولا شركوا في سماء».
وقوله: {فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِّنْهُ}: قرأ الجمهور {بَيِّنَةٍ} بالإفراد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص وحمزة والكسائي وابن عامر «بَيِّنَاتٍ» بالجمع في روايات؛ أي على حجج واضحة وبرهان بين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت.
{مِّنْهُ}: متعلق بمحذوف نعت لـ «بينة»، والهاء تعود على الكتاب.
{بَلْ}: حرف إضراب إبطالي وانتقالي عما توهموه من الحجج.
{إِن}: حرف نفي مبني على السكون بمعنى «ما».
{يَعِدُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الظَّالِمُونَ}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{بَعْضُهُم}: بدل بعض من كل من الظالمين مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه.
{بَعْضًا}: مفعول به أول منصوب بالفتحة.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ.
{غُرُورًا}: مفعول به ثانٍ (أو مفعول مطلق) منصوب بالفتحة؛ أي إلا وعداً باطلاً وخداعاً لا حقيقة له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يقوم على أسلوب «السبر والتقسيم المنطقي المحكم»؛ فحصر أسباب الاعتقاد والعبادة في ثلاثة مسالك عقلية ونقلية لا رابع لها:
الاستقلال بالخلق في الأرض: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ}.
الشراكة والمظاهرة في خلق السماوات: {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ}.
ورود وحي وإذن نقلي معصوم في كتاب سماوي: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِّنْهُ}.
فلما بطلت المسالك الثلاثة بالضرورة والعيان، ختم بالإضراب الإبطالي: {بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا}؛ لبيان أن معتقدهم لا يستند إلى عقل ولا نقل بل إلى التقليد الأعمى والأكاذيب المتبادلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بالتقليد وإجماع الآباء على الشرك: يزعم المشركون أنهم وجدوا آباءهم على هذه الآلهة وأن كبراءهم وعدوهم بأنها تشفع لهم عند الله.
رد الشبهة وإسقاط حجية التقليد المجرد: أثبتت الآية أن المعتقدات الدينية لا تثبت بالأماني ولا بوعود الآباء، بل بالدليل البرهاني؛ فما لم يستند إلى خلق محسوس أو كتاب منزل فهو باطل وغرور، وتسمية القرآن لوعود الكبراء بـ {غُرُورًا} يفضح طبيعة المنظومة الشركية التي يخدع فيها الرؤساء دهماء الناس ليحافظوا على مكاسبهم الدنيوية.
إضافة الشركاء إلى المشركين في {شُرَكَاءَكُمُ}: ولم يقل «شركائي»؛ لنفي أصل الشراكة مع الله، وبيان أنها شركاء في أوهامهم واختراعهم هم.
تكرار الأمر التعجيزي {أَرُونِي}: لإظهار العجز التام والتبكيت؛ فالحقائق تثبت بالرؤية والبرهان لا بالدعاوى الفارغة.
التنويع الاستفهامي بـ {أَمْ} المنقطعة: للانتقال من إبطال رتبة إلى إبطال ما هو أدنى منها تدرجاً في قطع الخصم وإفحامه.
الإضراب الإبطالي بـ {بَلْ} وتنكير {غُرُورًا}: للانتقال من مقام المناظرة العلمية إلى كشف الحقيقة النفسية والاجتماعية التي تكمن وراء ضلالهم وهي الغرور والخداع المتبادل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تأسيس العقلية البرهانية الناقدة: القرآن يربي العقل البشري على التفكير المنهجي المستنير؛ فلا يقبل دعوى في الدين إلا بدليل عقلي قاطع أو نقل صحيح معصوم، ويرفض التبعية العمياء والخرافات.
الحذر من الوعود الباطلة والمخادعات الفكرية: أن يحذر المسلم من الدعايات البراقة التي يروج لها دعاة الضلال في كل عصر؛ فكل وعد بالخلاص أو التقدم يخالف وحي الله وشريعته فهو من جنس «وعود الغرور» التي عاقبتها الهلاك.