موازنة قرآنية حاسمة بين مآل حزبي الإنسانية؛ حزب الشيطان الذين كفروا بربهم وكذبوا رسله، وحزب الرحمن الذين جمعوا بين صحة العقيدة وحسن العمل.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 445)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤٥: «يقول تعالى ذكره: الذين جحدوا توحيد الله وكذبوا رسله واتبعوا خطوات الشيطان، لهم في الآخرة عذاب شديد مؤلم في نار جهنم، والذين صدقوا الله ورسوله وأخلصوا له العبادة وأطاعوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لهم عفو من الله عن ذنوبهم وتجاوز عن سيئاتهم، وثواب جزيل عظيم لا يقادر قدره وهو الجنة».
وقال ابن كثير: «هذا تفصيل لمآل الفريقين بعد ذكر حزب الشيطان؛ فبين أن عاقبة الكافرين هي العذاب الشديد المستمر، وعاقبة المؤمنين العاملين للصالحات هي المغفرة التامة لخطاياهم والأجر العظيم الذي لا ينقطع».
ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، واقرؤوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{كَفَرُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها. والكفر لغة: الستر والتغطية، وشرعاً: جحد ما يجب الإيمان به من أركان الدين.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{عَذَابٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الاسمية {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} في محل رفع خبر المبتدأ الأول {الَّذِينَ}.
{شَدِيدٌ}: نعت لـ {عَذَابٌ} مرفوع بالضمة، والشديد هو البالغ أقصى درجات القوة والإيلام.
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة، «الذين» اسم موصول مبتدأ.
{آمَنُوا}: فعل ماض والواو فاعل، والصلة لا محل لها.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف على «آمنوا»، {الصَّالِحَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{لَهُم مَّغْفِرَةٌ}: جار ومجرور خبر مقدم، و{مَّغْفِرَةٌ} مبتدأ مؤخر، والجملة خبر المبتدأ الأول {وَالَّذِينَ}. والمغفرة: ستر الذنوب ومحوها والوقاية من شؤمها وعقوبتها، مأخوذة من المغفر وهو ما يقِي به المقاتل رأسه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتصل هذه الآية اتصالاً عضوياً وثيقاً بما قبلها؛ فلما بين الله أن الشيطان يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، فصّل هنا مصير هذا الحزب بقوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}، وقابلهم بالقسم المقابل وهم حزب الله المتقون: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
هذا أسلوب المقابلة القرآنية المعجزة التي تجمع بين الترهيب والترغيب، وتنقل النفس من هول السعير إلى ظلال المغفرة والأجر الكبير، ليبقى قلب المؤمن حادياً بين الخوف والرجاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاكتفاء بالإيمان القلبي المجرد دون عمل: يزعم المرجئة وأهل التفريط أن الإيمان في القلب يكفي للنجاة والظفر بالأجر الكبير دون حاجة للفرائض والعمل الصالح.
رد الشبهة بالمحاكمة النصية: تكرر اقتران الإيمان بالعمل الصالح في هذه الآية وسائر آيات القرآن: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، وهو برهان قاطع عند أهل السنة والجماعة على أن العمل ركن وثمرة لازمة للإيمان الصادق، وأن الأجر الكبير والمغفرة رُتبا على المجموع (الإيمان والعمل)، فالإيمان بلا عمل دعوى فارغة تكذبها الجوارح.