بيان لحقيقة العداوة الأزلية بين الشيطان وبني آدم، وأمر صريح بملازمة معاداته ومخالفة سبله، وكشف لغايته الخبيثة من إغواء الخلق.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 444)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤٤: «يقول تعالى ذكره: إن إبليس لكم يا معشر بني آدم عدو قديم، أخرج أباكم آدم من الجنة وأقسم ليغوينكم، فعادوه أنتم بطاعة الله ومعصية الشيطان، ولا تطيعوه فيما يدعوكم إليه؛ فإنما يدعو أتباعه وحزبه إلى ما يوردهم نار جهنم المسعرة ليكونوا من أهلها المعذبين فيها أبداً».
وقال ابن كثير: «أي هو مبارز لكم بالعداوة، فعادوه أنتم بالأولى، وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به، فإنه إنما يريد استدراجكم إلى السعير وبئس المصير».
أخرج الإمام أحمد في «المسند» (رقم 16016)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١٦٠١٦صحيح بسند صحيح من حديث سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه؛ فقعد له بطريق الإسلام فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة... ثم قعد له بطريق الجهاد...».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الشَّيْطَانَ}: اسم «إن» منصوب بالفتحة، وهو مشتق من «شطن» إذا بعد عن الحق وعن رحمة الله، أو من «شاط» إذا احترق غضباً وهلاكاً.
{لَكُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «عدو» أو متعلق بـ «عدو».
{عَدُوٌّ}: خبر «إن» مرفوع بالضمة الظاهرة، والعدو فعول بمعنى فاعل، يستوي فيه المفرد والجمع والمذكر والمؤنث.
{فَاتَّخِذُوهُ}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، «اتخذوا» فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء ضمير متصل مفعول به أول.
{عَدُوًّا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة. واتخاذه عدواً يكون بمخالفته، والحذر من مكره، ولزوم الاستعاذة بالله منه.
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد الحصر والقصر القطعي.
{يَدْعُو}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره هو.
{حِزْبَهُ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه، والحزب هم الأتباع والأنصار الذين انقادوا لوساوسه واجتمعوا على ضلاله.
{لِيَكُونُوا}: اللام لام العاقبة والصيرورة أو لام التعليل، «يكونوا» فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه حذف النون، والواو اسمها.
{مِنْ أَصْحَابِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر «يكون»، وهو مضاف.
{السَّعِيرِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والسعير هي النار المتقدة الملتهبة بشدة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية كالتوضيح والبرهان للتحذير الوارد في الآية السابقة: {وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}؛ فكشف الله هوية هذا «الغرور» بأنه الشيطان، وأبان عن طبيعة علاقته بالإنسان وهي «العداوة المطلقة»، ثم بيّن غايته ومقصده النهائي من الإغواء وهو الإيراد في نار السعير.
ترتيب منطقي صارم: تقرير الحقيقة العينية والعداوة القائمة: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ}، يعقبه الأمر بالفعل المكافئ: {فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}، يعقبه كشف خطته وهدفه: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} لقطع أي توهم في إمكانية مهادنته أو مصالحته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طاعة الإنسان لمن يعلم عداوته: يتساءل العقل: كيف يتبع عاقل عدواً مبيناً يريد إحراقه وإهلاكه؟
دفع الإشكال والتحليل النفسي: بيّن القرآن أن الشيطان لا يدعو حزبه بالإعلان الصريح عن مقصده (أنه يريد إدخالهم النار)، بل يدعوهم بتزيين الشهوات، وتسمية المحرمات بغير أسمائها، وبث الأماني الكاذبة والتسويف، فيتوهم الإنسان أنه يسعى وراء مصلحته ولذته بينما هو يطيع عدوه ويساق إلى حتفه، ولذلك جاءت أداة الحصر {إِنَّمَا} لتفضح الغاية المستترة خلف كل وسوسة؛ فكل شهوة محرمة أو شبهة مضللة يدعو إليها الشيطان ليس وراءها إلا السعير.
أسلوب الحصر بـ {إِنَّمَا}: لحصر غاية دعوة الشيطان في الإهلاك بالسعير، فلا خير يرجى منه ولا نفع البتة في أي وسوسة من وساوسه.
التنكير في {عَدُوٌّ} و{عَدُوًّا}: لإفادة شدة العداوة وتأصلها في طبعه وخلوها من أي رحمة أو مهادنة.
لام الصيرورة والعاقبة في {لِيَكُونُوا}: لأن أتباعه لا يتبعونه بقصد دخول النار، لكن عاقبة انقيادهم له هي حتماً الوقوع في السعير، فصارت كأنها الغاية المقصودة لهم.
إضافة {حِزْبَهُ} إليه: للتحقير والتنفير؛ فمن أطاعه فارق حزب الله وصار جندياً في حزب إبليس الخاسر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التعبئة الروحية المستمرة: استشعار المسلم أنه في حرب وجودية مستمرة مع الشيطان؛ لا هدنة فيها ولا مفاوضات، وسلاحه فيها هو ذكر الله، ولزوم الطاعات، وتحصين الجوارح، ورد الخطرات الرديئة في مهدها.
البراءة من حبائل الحزبية الشيطانية: الحذر من الوقوع في صفوف الذين يعادون أولياء الله ويوالون أعداءه ويسعون في نشر الفواحش والشبهات؛ فإن كل من أعان على معصية الله فقد دخل في دائرة «حزب الشيطان» الذي غايته السعير.