استفهام إنكاري واستعطاف نبوي كريم يكشف عن الانتكاس النفسي الذي يصيب أهل الضلال حتى يروا القبائح فضائل، وينهى النبي ﷺ عن التحسر على هلاكهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 446)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤٦: «يقول تعالى ذكره: أفمن حسّن له الشيطان قبائح أعماله من الشرك بالله ومعاصيه، فاعتقد أنها حسنة جميلة يتقرب بها إلى الله، كمن هداه الله للحق ورأى الحسن حسناً والقبيح قبيحاً؟ لا يستوون. فإن الله يضل من يشاء من خلقه بعدله وحكمته، ويهدي من يشاء بفضله ورحمته، فلا تهلك نفسك يا محمد حزناً وتأسفاً على كفرهم وإعراضهم، إن الله عليم بجميع ما يصنعونه وسيجزيهم عليه».
وقال قتادة في قوله: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا}: «منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويرون أنهم على حق، وكل صاحب بدعة وضلالة يزين له هواه باطله».
وقال ابن عباس ومجاهد: نزلت تسلية للنبي ﷺ لما كان يحرص على هداية قومه ويشتد حزنه على كفر عتبة وشيبة وأبي جهل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَفَمَن}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التعجيبي، والفاء عاطفة على مقدر؛ أي: أيستوون، فمن زُين له...؟ «مَن» اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: «كمن هداه الله فرأى الحق حقاً واتبعه»، أو «أفمن زين له سوء عمله كغيره؟».
{زُيِّنَ}: فعل ماض مبني للمجهول، وحذف الفاعل وهو الشيطان أو النفس الأمارة أو التخلية الإلهية.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلق بـ {زُيِّنَ}.
{سُوءُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{عَمَلِهِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والهاء مضاف إليه.
{فَرَآهُ}: الفاء عاطفة للتعقيب والسببية، «رأى» فعل ماض مبني على فتح مقدر، وفاعله مستتر تقديره هو، والهاء ضمير متصل مفعول به أول، والرؤية هنا قلبية اعتقادية.
{تَذْهَبْ}: قرأ الجمهور {تَذْهَبْ} بفتح التاء والهاء مبنياً للفاعل ورفع {نَفْسُكَ} فاعلاً، وقرأ أبو جعفر وشيبة «تُذهِبْ» بضم التاء وكسر الهاء مبنياً للفاعل ونصب «نفسَك» مفعولاً به، والفاعل مستتر تقديره أنت. والذهاب هنا استعارة للتبدد والهلاك من شدة الغم.
{نَفْسُكَ}: فاعل مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {تَذْهَبْ}.
{حَسَرَاتٍ}: مفعول لأجله منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، أو حال من النفس بتأويل ذات حسرات، أو مفعول مطلق لفعل محذوف. والحسرة: أشد الحزن والندم على ما فات بحيث ينحسر عنه صبره وقوته.
{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}: جملة تعليلية للنهي والوعيد، مؤكدة بـ «إن»، {عَلِيمٌ}: خبرها، {بِمَا}: متعلق بـ {عَلِيمٌ}، و{يَصْنَعُونَ}: صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بين الله انقسام الناس إلى كافرين لهم عذاب شديد ومؤمنين لهم مغفرة وأجر كبير، كشف في هذه الآية عن المانع النفسي الداخلي الذي يحول بين الكافر وبين قبول الحق، وهو داء «تزيين السوء»، حتى يرى قبحه حسناً وباطله حقاً فلا يفكر في التوبة.
ثم أتبع ذلك بتسلية النبي ﷺ ونهيه عن إفناء نفسه حزناً على عنادهم؛ مبيناً أن الهداية والإضلال بيده سبحانه وفق حكمته وعدله، وأن علم الله محيط بصنائعهم وسيجازيهم عليها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجبر في قوله {يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ}: زعم القدرية والجبرية أن الآية تقتضي إجبار العباد على الكفر ثم تعذيبهم بلا ذنب.
رد الشبهة والتحقيق السلفي: يقرر أهل السنة أن المشيئة الإلهية تابعة للحكمة التامة؛ فالإضلال ليس ظلماً ابتداءً، بل هو عقوبة عادلة لمن اختار الضلالة ورضي بها وزين له سوء عمله فأعرض عن دلائل الحق: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، والهداية فضل محض لمن طلب الحق وأقبل عليه: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}، فالله يعلم المستحق للهدى والمستحق للخذلان بحكمته الأزلية: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.
إيجاز الحذف البديع في صدر الآية: حذف معادل المبتدأ وخبره لإثارة ذهن السامع وترك خياله يذهب كل مذهب في تقدير البون الشاسع بين صاحب البصيرة وصاحب العمى.
الطباق بين {يُضِلُّ} و{يَهْدِي}، وبين {سُوءُ} و{حَسَنًا}: لإظهار التناقض الجذري بين حقائق الأشياء وأوهام المنحرفين.
الاستعارة المكنية في {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ}: صوّر النفس بشيء يتلف ويذهب قطرات وأجزاءً من شدة الحزن والأسى.
جمع {حَسَرَاتٍ} والتنكير: للدلالة على تنوع أحزان النبي ﷺ وتكاثرها على كل فرد وكل موقف من مواقف تكذيبهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من داء تزيين الباطل: أشد ما يُبتلى به المرء أن يستحسن معصيته أو بدعته فيظن أنه يحسن صنعاً وهو من الأخسرين أعمالاً، ولذا وجب على المؤمن دوام التضرع: «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه».
فقه الأولويات عند الداعية والرفق بالنفس: على الداعية أن يبذل وسعه في البلاغ والنصيحة، لكن لا ينبغي أن يهلك نفسه غماً وحسرة إذا لم يستجب الناس؛ فإن القلوب بيد الله، ومهمة الرسل والعلماء هي الإنذار لا السيطرة.