نسف كامل لجميع التعلقات الشركية بأي مدعو من دون الله؛ ببيان عجزهم عن السمع، وعجزهم عن الاستجابة لو فُرض السمع، وبراءتهم التامة من عابديهم يوم القيامة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 462)جامع البيانالطبري٢٠/٤٦٢: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين: إن تدعوا أيها الناس هؤلاء الآلهة التي تعبدونها من دون الله لكشف ضر أو جلب نفع، لا يسمعوا دعاءكم؛ لأنها جماد لا تفهم ولا تعقل. ولو فُرض أنهم سمعوا -كما لو دعوتم الملائكة أو الصالحين أو جعل الله في الجماد سمعاً- ما استجابوا لكم إلى ما تسألونهم؛ لأنهم لا يملكون ذلك ولا يقدرون عليه إلا بإذن الله. ويوم القيامة يتبرؤون منكم ويجحدون عبادتكم ودعاءكم إياهم، ولا يخبرك بحقائق الأمور وعواقبها مثل خبير عليم بكل شيء وهو الله عز وجل».
وقال قتادة: «{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}: أي يتبرؤون منكم كما قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا}».
وقوله: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}: قال ابن كثير: أي لا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل الخبير بها، وهو الله العليم بأحوال عباده وما ينتهي إليه أمر الشرك والمشركين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِن}: حرف شرط جازم.
{تَدْعُوهُمْ}: فعل الشرط مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به.
{بِشِرْكِكُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَكْفُرُونَ}، والباء سببية أو صلة لتعدية الفعل، والكاف مضاف إليه، وإضافة الشرك إليهم لبيان أنه من فعلهم وافترائهم لا برضا المعبودين الصالحين.
{وَلَا}: الواو استئنافية، «لا» نافية.
{يُنَبِّئُكَ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر أو ما دل عليه السياق، والكاف مفعول به أول.
{مِثْلُ}: فاعل مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{خَبِيرٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والخبير هو العليم بدقائق الأمور وبواطنها وخفايا العواقب، والمراد به الله تعالى أو كل من يخبر عن علم يقيني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ارتبطت هذه الآية بالآية السابقة برباط منطقي تصاعدي حاسم:
نفى أولاً الملكية عنهم بالكلية: {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}.
ثم بين هنا عجزهم الحواسي المباشر: {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ}.
ثم تنزل مع الخصم على سبيل الفرض المحال: {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} لعجزهم الذاتي عن إحداث أي أثر.
ثم بين العاقبة الأخروية وهي الانقلاب والتبري: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}.
ثم ختم بالتوثيق الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفرقة بين عبادة الأصنام الحجرية ودعاء الصالحين والأولياء الغائبين أو الأموات: يزعم المشركون والقبوريون أن هذه الآيات خاصة بالأصنام الحجرية الصماء ولا تشمل الأنبياء والأولياء لأنهم يسمعون.
رد الشبهة ودحضها القطعي: يقرر علماء السنة وأئمة التفسير أن الآية عامة في كل من يُدعى من دون الله؛ حجراً كان أو شجراً أو ملَكاً أو نبياً أو ولياً؛ بدليل قوله في الآية نفسها: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}؛ فالجماد ينطقه الله فيتبرأ، والملائكة والأنياء والصالحون أحياء عند ربهم يتبرؤون من كل من أشرك بهم أو دعاهم من دون الله كما قال عيسى عليه السلام: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ}، وكما قالت الملائكة: {سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم}، فبطل زعم التخصيص، وثبت أن دعاء غير الله شرك باطل لا يسمعه الميت ولا يملكه المخلوق.
أسلوب السبر والتقسيم والتدرج المنطقي: استيفاء جميع الاحتمالات التي قد يتعلق بها المشرك (الملك، السمع، القدرة على الإجابة، الشفاعة والموالاة في الآخرة)، وإبطالها جميعاً في عبارات بالغة الإيجاز والقوة.
استعمال «لو» الافتراضية في {وَلَوْ سَمِعُوا}: للتنزل الفرضي مع الخصم لقطع دابر الجدل؛ أي حتى لو فرضنا أنهم سمعوا صياحكم، فليس في مقدورهم إجابتكم؛ لأن الضر والنفع بيد الله وحده.
تسمية عبادتهم شركاً في {بِشِرْكِكُمْ}: تنصيص صريح على أن دعاء غير الله والاستغاثة به في الحاجات هو عين الشرك الأكبر المخرج من الملة.
التذييل الحكيم بـ {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}: استعارة تمثيلية تخلع على الخبر أقصى درجات المصداقية واليقين، كخبير الحروب والمسالك الذي لا يمكن أن يُكذب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إخلاص الدعاء لله وحده: الدعاء هو العبادة، وصرفه لغير الله ضلال وهباء، فعلى المؤمن ألا يرفع يديه إلا إلى الحي القيوم السميع البصير المجيب القريب.
توعية الأمة بخطر الشرك الخفي والظاهر: مسؤولية الدعاة في بيان عقيدة التوحيد وتطهير الأمة من البدع والتعلق بالأضرحة والأموات، مستدلين بهذا المنطق القرآني النير الذي يخاطب العقول والفطر السليمة.