أعظم آية في بيان فضل أمة محمد ﷺ، واصطفائها لوراثة القرآن والرسالة الخاتمة، وتصنيف أهل هذه الأمة المصطفاة إلى ثلاث مراتب إيمانية مع بقاء أصل النجاة والاصطفاء لجميعهم برحمة الله.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 485)جامع البيانالطبري٢٠/٤٨٥: «يقول تعالى ذكره: ثم أورثنا هذا الكتاب وهو القرآن، الذين اخترناهم واصطفيناهم من عبادنا وهم أمة محمد ﷺ، فجعلناهم يرثون تلاوته والعمل به بعد الأمم الخالية، ثم قسمهم سبحانه إلى ثلاثة أصناف:
{فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}: وهو المفرط في بعض الواجبات، المرتكب لبعض السيئات مع بقاء أصل إيمانه وتوحيده.
{وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ}: وهو المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، ولكنه قد يترك بعض المستحبات أو يقع في بعض المكروهات وفضول المباحات.
{وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ}: وهو المسارع في الطاعات، المؤدي للفرائض والنوافل، المجتنب للمحرمات والمكروهات والمشتبهات، الفائز بأعلى الدرجات بتوفيق الله وفضله».
أخرج الإمام أحمد في «المسند» (رقم 21746)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢١٧٤٦ والترمذي (رقم 3225)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٢٥ وحسنه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}: «فأما السابق بالخيرات فذلك يدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فذلك يحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فذلك يحبس في طول المحشر ثم يتغمده الله برحمته فهم الذين يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور».
وأخرج الطبري بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: «ألا إن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناجٍ، وظالمنا مغفور له».
وقال عثمان بن عفان وابن مسعود وابن عباس وعائشة والحسن: «كلهم من أمة الإجابة، وكلهم مصطفون برحمة الله، وكلهم في الجنة على تفاوت درجاتهم ومنازلهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي الرتبي لعلو رتبة وراثة الأمة للقرآن.
{أَوْرَثْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و«نا» فاعل (نون العظمة)، والإيراث: جعل الشيء تركة موروثة ينتقل من سلف إلى خلف، واستعير هنا لنقل شرف حمل الكتاب والعمل به إلى الأمة المحمدية.
{الْكِتَابَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ للفعل «أورثنا».
{اصْطَفَيْنَا}: فعل ماض وفاعله «نا»، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والاصطفاء: افتعال من الصفوة، وهو تخير أنقى الأشياء وخالصها وتطهيرها من الشوائب.
{مِنْ عِبَادِنَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من المفعول المحذوف لـ «اصطفينا»؛ أي اصطفيناهم من بين سائر عبادنا.
{بِالْخَيْرَاتِ}: متعلق بـ «سابق»، والباء للملابسة والمصاحبة؛ أي متلبس بالخيرات مسارع إليها.
{بِإِذْنِ اللَّهِ}: متعلق بمحذوف حال من «سابق» أو بـ «الخيرات»، والإذن هنا الإذن الكوني والتوفيقي؛ أي بمشيئته وفضله ومعونته.
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب، والإشارة تعود إلى الإيراث والاصطفاء.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
{الْفَضْلُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْكَبِيرُ}: نعت لـ «الفضل» مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
هذا الموضع هو درة تاج سورة فاطر وواسطة عقدها؛ فبعد أن قرر في الآية السابقة أن القرآن هو الحق الموحى إلى النبي المصطفى ﷺ، بين في هذه الآية المستخلفين بعده لحمل هذه الأمانة العظمى وهم «الأمة المحمدية» بنص: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}.
ثم كان التقسيم الثلاثي المعجز المحيط بجميع طبقات المؤمنين، مع تقديم «الظالم لنفسه» في الترتيب اللفظي؛ تطييباً لخواطر المذنبين وإشعاراً بسعة رحمة الله وألا ييأسوا، ثم ثنى بالمقتصد، وختم بالسابق بالخيرات؛ ليعطف السابق على اللاحق في حبل النجاة.
ثم أتبع الآية مباشرة بالجزاء النهائي الجامع لهم جميعاً في الآية التالية: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الخوارج والمعتزلة في تكفير الظالم لنفسه أو تخليده في النار: زعم أهل البدع أن الظالم لنفسه بالمعاصي ليس من المصطفين بل هو كافر أو مخلد في النار.
رد الشبهة ودحضها القطعي بإجماع أهل السنة: أجمع أئمة التفسير والسلف الصالح على بطلان زعم الخوارج؛ لأن الله تعالى أدخل الأصناف الثلاثة جميعاً تحت مظلة الاصطفاء: {الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ...}، فالضمير في «فمنهم» يعود قطعاً على المصطفين، ولأن الآية التي تليها مباشرة صريحة في دخولهم الجنة: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} بواو الجماعة الجامعة والمستوعبة للأصناف الثلاثة، فالظالم لنفسه من أهل التوحيد والإيمان مصطفى بأصل إيمانه ووراثته للقرآن، وإن كان مستحقاً للوعيد على ذنوبه إن لم يعف الله عنه، لكنه لا يخلد في النار بل مآله إلى الجنة برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين.
رد العجب والغرور عن السابق بالخيرات: احترز القرآن احترازاً بديعاً بقوله: {بِإِذْنِ اللَّهِ} عقب ذكر «سابق بالخيرات»؛ لئلا يظن السابق أنه سبق بجهده وقوته الذاتية، بل بفضل الله ومعونته وتوفيقه.
استعارة الإيراث في {أَوْرَثْنَا}: تصوير لشرف القرآن بأنه أعظم تركة وكنز ينتقل من جيل إلى جيل بلا كد ولا مشقة شراء، بل بمحض المنحة الربانية.
براعة الترتيب وتقديم الظالم لنفسه: قال بعض العارفين: قدّم الظالم لنفسه لئلا يقنط من رحمة ربه، وأخّر السابق لئلا يعجب بعمله، ووسط المقتصد ليكون ميزاناً بين الرجاء والوجل.
القصر والحصر في {ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}: بضمير الفصل وتعريف الجزأين؛ لبيان أن وراثة القرآن ودخول الجنة برحمة الله هو الفضل الذي تصغر عنده كل أموال الدنيا وممالكها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار شرف الانتساب للأمة المحمدية: أن يستشعر كل مسلم عظم النعمة التي خصه الله بها بأن جعله من ورثة هذا الكتاب الخاتم ومن المصطفين من بني آدم، مما يدفعه إلى صيانة هذه الوراثة بالعمل والتعلم والدعوة.
بث روح الأمل والتوبة للمذنبين والتحفيز للسبق: على الدعاة أن يفتحوا أبواب الرجاء للعصاة والمقصرين، مذكّرين إياهم بأنهم ما زالوا في دائرة الاصطفاء وأهل القبلة، وعليهم أن يشحذوا هممهم للارتقاء من ظلم النفس إلى رتبة الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى ذرى السبق بالخيرات.