فضح لنكث كفار مكة لأيمانهم المغلظة، وبيان تناقضهم وكذب دعاويهم؛ حيث كانوا يقسمون قبل بعثة النبي ﷺ أنهم لو جاءهم رسول لكانوا أسرع طاعة وأهدى سبيلاً من اليهود والنصارى، فلما جاءهم خاتم الرسل بالحق ازدادوا نفوراً واستكباراً.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 511)جامع البيانالطبري٢٠/٥١١: «يقول تعالى ذكره: وحلف هؤلاء المشركون من قريش بالله غاية أيمانهم وتوكيدها؛ لئن جاءهم نذير من عند الله ينذرهم بأس الله، ليكونن أهدى إلى الحق، وأتبع للرشاد من إحدى الأمم السالفة المكذبة كاليهود والنصارى ومشركي الأمم الخالية؛ فلما جاءهم محمد ﷺ نذيراً بالحق والقرآن، ما زادهم مجيئه إلا بعداً عن الحق وهرباً منه ونفوراً عن التوحيد».
وروى ابن أبي حاتم والسدي وقتادة ومجاهد: «أن قريشاً لما سمعت أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم وبدلوا كتبهم، قالوا: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم الرسل فكذبوهم، والله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم! فلما بعث الله محمداً ﷺ كذبوه وحاربوه وعادوه»، فنزل قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ...}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَقْسَمُوا}: الواو استئنافية، «أقسموا» فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل. والقسم: اليمين والحلف المعظم.
{بِاللَّهِ}: متعلق بـ {أَقْسَمُوا}.
{جَهْدَ}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة لفعل محذوف، أو نائب مفعول مطلق لـ «أقسموا»؛ وأصل الجهد: الطاقة والمشقة والغاية، والمعنى: أقسموا أيماناً بالغة أقصى درجات التوكيد والتغليظ.
{أَيْمَانِهِمْ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع، والأيمان جمع يمين.
{لَئِن}: اللام موطئة للقسم، «إن» شرطية جازمة.
{جَاءَهُمْ}: فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به والميم للجمع.
{نَذِيرٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لَّيَكُونُنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم، «يكونن» فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمه مستتر تقديره هم، وجملة القسم سدت مسد جواب الشرط.
{أَهْدَىٰ}: خبر «يكونن» منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، وهو اسم تفضيل.
{مِنْ إِحْدَى}: متعلق بـ {أَهْدَىٰ}، وإحدى مؤنث أحد.
{الْأُمَمِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة؛ والمراد الأمم السابقة كأمة موسى وعيسى أو أمة من الأمم الضالة.
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة للتعقيب، «لما» رابطة أو ظرفية زمانية متضمنة معنى الشرط.
{جَاءَهُمْ نَذِيرٌ}: ماض وفاعل ومفعول به، والجملة فعل الشرط لـ «لما».
{مَّا}: نافية لا عمل لها.
{زَادَهُمْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على مجيء النذير، والهاء مفعول به أول.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{نُفُورًا}: مفعول به ثانٍ لـ {زَادَهُمْ} منصوب بالفتحة الظاهرة؛ والنفور: التباعد والجفوة والفرار من الحق كنفور الوحش من الصائد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصال متين بما قبله؛ فبعد أن بين الله تعالى حلمه وغفرانه بإمساك السماوات والأرض عن الزوال فوق رؤوس العصاة، فضح هنا قمة النفاق والتبجح في مسلك المشركين؛ حيث استعجلوا النذارة وتبجحوا بأيمانهم المغلظة أنهم سيكونون أهدى الناس، فلما تحققت أمنيتهم بمجيء النذير الكريم ﷺ نكثوا عهودهم وانقلبوا على أعقابهم ناكصين.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة احتفال المشركين بالعدالة وحب الهداية قبل مجيء الرسول: قد يظن المغفل أن كفار مكة كانوا صادقين في بحثهم عن الهداية حين أقسموا بالله تلك الأيمان.
رد الشبهة والتشخيص القرآني للنفس الإنسانية: كشف القرآن أن دعاويهم تلك كانت تمنيات مجردة مشوبة بالغرور والتعالي على الأمم السابقة (اليهود والنصارى)؛ فلما جاءهم المحك العملي وظهر الحق بما يقتضيه من التزام، وتجريد للتوحيد، وكسر للأهواء والطبقية الجاهلية، انتكست فطرتهم وظهرت خبيئة نفوسهم؛ فالإيمان ليس بالأماني والتحلي والتغليظ في الأيمان، بل بما وقر في القلب وصدقه العمل.
المبالغة في القسم بـ {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}: لإظهار مدى التوكيد والتظاهر بالحرص التام على قبول الحق.
التنكير في {نَذِيرٌ}: للتقليل والتعميم في الشرط؛ أي أيّ نذير كان، ثم تكرارها في الجواب لإبراز تحقق الشرط ونكولهم عنه.
استعارة «النفور» لفرارهم من الهدى: تشبيه لهم في إعراضهم بالدواب الشاردة المتوحشة التي تنفر وتفر من مصلحتها وحياتها إلى حتفها وهلاكها: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من نقض العهود مع الله: على المسلم أن يحذر من قطع العهود والنذور والأيمان على نفسه بالصلاح والاستقامة ثم النكوص عنها إذا تيسرت له أسبابها؛ فإن ذلك من أعظم أسباب الخذلان وطبع القلوب: {فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ}.
الثبات عند ورود الأوامر الشرعية: العبرة في صدق العبد هي انقياده الفوري لأمر الله ورسوله حين يبلغه الدليل، وترك التعلل بالتسويف والأماني الفارغة.