بيان عاقبة المكذبين بعد إصرارهم واستكبارهم، وإبراز بطش الله بالظالمين، واستفهام تقريري يخلع القلوب من هول عقابه وإنكاره عليهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 476)جامع البيانالطبري٢٠/٤٧٦: «يقول تعالى ذكره: ثم عاقبت الذين كفروا برسلهم وكذبوا بآياتي فأهلكتهم واستأصلتهم بالعذاب؛ بالصيحة لقوم صالح، وبالريح العقيم لعاد، وبالغرق لفرعون وقومه، فكيف كان إنكاري عليهم وتغييري ما كانوا فيه من النعمة بالهلاك والدمار؟! ألم يكن إنكاراً فظيعاً عادلاً أبادهم عن آخرهم؟! فليحذر قومك يا محمد أن يحل بهم ما حل بأولئك إن أصروا على تكذيبك».
وقال ابن كثير: «أي فكيف رأيت إنكاري عليهم بالعقوبة وإهلاكي إياهم بالكلية؟ لقد كان ذلك أبلغ النكير وأعظم العذاب».
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي الرتبي والزمني؛ لإفادة إمهال الله للمكذبين وتأخير العذاب عنهم دهراً قبل أخذهم بغتة.
{أَخَذْتُ}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل، والأخذ هنا استعارة للأسر والاستئصال والإنزال القهري للعقاب، ومنه قوله: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ}.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به.
{كَفَرُوا}: فعل ماض وفاعله الواو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{فَكَيْفَ}: الفاء فصيحة عاطفة على مقدر، «كيف» اسم استفهام تقريري تهويلي مبني على الفتح في محل نصب خبر «كان» مقدم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{نَكِيرِ}: اسم «كان» مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف ومراعاة الفواصل، والكسرة دالة عليها، والياء المحذوفة ضمير متصل في محل جر مضاف إليه؛ وأصله «نكيري». والنكير مصدر بمعنى الإنكار كالنذير بمعنى الإنذار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإعلان المزلزل هو الغاية التحذيرية التي سيق لأجلها ذكر الرسل وتكذيب الأمم السابقة؛ فبعد أن بين سعة البينات والكتاب المنير وصبر الرسل، جاء بـ {ثُمَّ} المفيدة للمهلة، ثم صدم المكذبين بنهاية المطاف المأساوية: {أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا}.
التحول إلى صيغة التكلم المباشر من الله تعالى: {أَخَذْتُ}، وتذييل المشهد بالاستفهام التهويلي: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}، يوقع في قلوب كفار مكة الرعب الحقيقي من تكرار المصير ذاته معهم إن تمادوا في عنادهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاغترار بتأخر العقوبة والإمهال: يظن الطغاة والمستكبرون أن تأخر نزول العذاب عليهم دليل على رضا الله عنهم أو عجز شريعته عن ردعهم.
رد الشبهة بـ «سنة الاستدراج والأخذ»: دلت كلمة {ثُمَّ} على أن الله يملي للظالم ويمدد له في أسباب القوة والمهلة حتى إذا ظن أنه قادر على كل شيء وتمادى في كفره، أخذه أخذ عزيز مقتدر، فأخذه سبحانه لا يعجزه زمن، وتأخيره لحكمة وليس إهمالاً: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.
الاستعارة في {أَخَذْتُ}: تصوير لعذاب الله وقدرته كأنها يد باطشة قاهرة تتناول الظالم فلا يقدر على فكاك ولا مراوغة.
الاستفهام الإنكاري والتهويلي في {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}: أبلغ من الإخبار الصريح؛ لأنه يستنطق المخاطب ويحيله على مصارع الغابرين وآثارهم البائدة ليقر بنفسه بفداحة الإنكار وبطش الانتقام الإلهي.
حذف ياء المتكلم في {نَكِيرِ}: مراعاة لفواصل الآيات القرآنية، وتخفيفاً للفظ، وإشعاراً بسرعة انقضاء المتكبرين وزوالهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من نزول نقم الله ومكره: الواجب على العبد والمجتمعات ألا يأمنوا مكر الله إذا تتابعت عليهم النعم وهم يقارفون المعاصي؛ فإن الأخذ قد يأتي بغتة وهم لا يشعرون.
تسلية المظلومين والواثقين بنصر الله: إن إمهال الله للظالمين ليس نسياناً؛ فالسنة الإلهية ماضية في أخذهم، ومصير عاد وثمود وفرعون يتكرر مع كل طاغية إلى قيام الساعة.