تقرير إلهي مطلق بإحاطة علمه بغيب الوجود الكوني علوه وسفله، وبأدق ما تكنه الصدور وتخفيه الضمائر والسرائر.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 503)جامع البيانالطبري٢٠/٥٠٣: «يقول تعالى ذكره: إن الله الذي لا يخفى عليه شيء، عليم بما غاب عن أبصاركم وأسماعكم مما في السماوات وما في الأرض، وهو عليم بضمائر الصدور وخفايا القلوب وما تنطوي عليه النفوس من الإيمان والكفر، والصدق والنفاق؛ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، وسيجازي كل عبد بما اشتمل عليه قلبه وجوارحه».
وقال ابن كثير: «يخبر تعالى بعلمه بغيب السماوات والأرض، وأنه مطلع على جميع السرائر والضمائر؛ فيعلم ما في قلوب أهل النار من الكذب في قولهم لو رُددنا لعملنا صالحاً، ويعلم الصادق من الكاذب».
وقال قتادة: «عليم بذات الصدور: أي بالخواطر والنوايا والأسرار التي لم يتكلم بها اللسان».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: اسم «إن» منصوب بالفتحة الظاهرة.
{عَالِمُ}: خبر «إن» مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم فاعل، وإضافته تفيد الثبوت والاستمرار.
{غَيْبِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والغيب: كل ما غاب عن حواس المخلوقين ومداركهم واستأثر الله بعلمه.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{إِنَّهُ}: حرف توكيد ونصب والهاء اسمها.
{عَلِيمٌ}: خبر «إن» مرفوع بالضمة، صيغة مبالغة تفيد كمال العلم ورسوخه وعمومه.
{بِذَاتِ}: متعلق بـ {عَلِيمٌ}، و«ذات» مؤنث ذو؛ والمراد بها الصواحب والملازمات للصدور؛ وهي النيات والعقائد والخواطر الكامنة في القلوب.
{الصُّدُورِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، واستعملت الصدور وأريد بها القلوب التي تحويها الصدور تسمية للمحل وإرادة للحالّ فيه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص متصل اتصال العلة بالمعلول بما قبله؛ فبعد أن طلب الكفار في الآية السابقة الخروج ليعملوا صالحاً وادعوا الصدق والندم، جاءت هذه الآية لتكشف أن الله عالم بكذبهم وسرائرهم؛ فالله يعلم غيب السماوات والأرض وما تنطوي عليه صدورهم، ويعلم أنهم لو رُدوا لعادوا لما نهوا عنه.
التدرج من الأوسع إلى الأخص والأدق: بدأ بـ {غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وهو الملكوت الهائل، ثم تدرج إلى {بِذَاتِ الصُّدُورِ} وهي النقطة الخفية المتناهية في الدقة داخل القلب الإنساني، ليقرر أن اتساع الكون لا يشغله عن دقائق القلوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة نفي علم الله بالجزئيات عند الفلاسفة: زعم بعض الفلاسفة قديماً أن علم الله كلي محيط بالأكوان ولا يتعلق بالجزئيات والخواطر الفردية المتغيرة.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والقرآنية القطعية: أخرست الآية هذا الزعم؛ فالله تعالى قرن علمه بالغيب الكلي للأفلاك والأرض بعلمه التام الدقيق بـ {بِذَاتِ الصُّدُورِ}؛ أي بالخواطر اللحظية التي تولد وتموت في ثنايا القلوب، وإحاطة الصانع بمصنوعاته تقتضي عقلاً علمه بكل ذرة وحركة فيها، فالخالق للقلب والصدر لا يخفى عليه ما أودع فيه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
التوكيد المزدوج بـ {إِنَّ} في الجملتين: لترسيخ اليقين بإحاطة العلم الإلهي وقطع كل شك أو غفلة.
المجاز المرسل في {الصُّدُورِ}: علاقته المحلية؛ حيث أطلق الصدور وأراد القلوب والضمائر؛ لأن الصدر هو الحاوي والمستودع للقلب.
التعبير بـ {بِذَاتِ الصُّدُورِ}: أي بالخواطر المصاحبة للقلب الملازمة له ملازمة الذات للذات، فلا يفلت من علمه أدنى وسواس أو ميل قلبي خفي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار رقابة الله ومقامه المهيب: هذه الآية مدرسة للمراقبة الذاتية؛ فحين يتيقن العبد أن ربه مطلع على نيته وسريرته وخلجات صدره، يستحي أن يراه الله مضمراً لحقد، أو كبر، أو رياء، أو شهوة محرمة، فينشغل بإصلاح قلبه وتطهيره.
الإخلاص وتوحيد المقصد: إذا كان الله عليماً بذات الصدور، فلا عبرة بنفاق المنافقين ولا تصنع المرائين؛ فإن الله لا ينظر إلى الصور والأموال بل ينظر إلى القلوب والأعمال.