تذكير بنعمة الاستخلاف في الأرض وخلافة القرون السابقة، وتحذير من عاقبة كفران هذه النعمة، وبيان أن شؤم الكفر يحيق بصاحبه ولا يزيد الكافر عند الله إلا غضباً وبغضاً وخسراناً مبيناً.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 504)جامع البيانالطبري٢٠/٥٠٤: «يقول تعالى ذكره: الله هو الذي جعلكم يا معشر الناس يخلف بعضكم بعضاً في الأرض، قرناً بعد قرن وأمة بعد أمة، تعمرونها وتتصرفون فيها بعد هلاك من كان قبلكم؛ فمن كفر بالله منكم وبآياته فعلى نفسه وبال كفره وضرره، لا يضر الله شيئاً. ولا يزيد هؤلاء الكافرين كفرهم بربهم عند الله إلا مقتًا وهو أشد البغض والغضب، ولا يزيدهم كفرهم إلا خساراً لأهلهم وأنفسهم ونعيم الجنة في الآخرة».
وقال قتادة: «خلائف في الأرض: أي يخلف الخلف منكم السلف، والقرنُ القرنَ، أمة بعد أمة».
وأصل المقت في لسان العرب: أشد البغض للشيء القبيح المسترذل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
{جَعَلَكُمْ}: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به أول والميم للجمع، والجملة صلة الموصول.
{خَلَائِفَ}: مفعول به ثانٍ لـ «جعل» منصوب بالفتحة من غير تنوين لأنه ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع (مفرده خليفة أو خليف)؛ أي يخلف بعضكم بعضاً ويرث الأرض عن أسلافه.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلق بـ {خَلَائِفَ} أو بمحذوف حال.
{فَمَن}: الفاء فصيحة رابطة، «من» اسم شرط جازم مبتدأ.
{كَفَرَ}: فعل ماض مبني في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر.
{كُفْرُهُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه، والجملة في محل جزم جواب الشرط؛ أي وبال كفره وضياعه مقصور على نفسه.
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» نافية.
{يَزِيدُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْكَافِرِينَ}: مفعول به أول منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{كُفْرُهُمْ}: فاعل مؤخر لـ {يَزِيدُ} مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه.
{عِندَ رَبِّهِمْ}: ظرف مكان متعلق بـ {يَزِيدُ} أو بمحذوف حال، و«ربهم» مضاف إليه.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{مَقْتًا}: مفعول به ثانٍ لـ {يَزِيدُ} منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا}: معطوف مماثل للأول في الإعراب؛ لإفادة ترتب الخسران الأخروي والدنيوي على المقت الإلهي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية كالتذكير بالنعمة الكبرى التي تقتضي الشكر والإخبات وهي «الاستخلاف في الأرض» بعد القرون المكذبة الهالكة؛ فبدلاً من أن يعتبر هؤلاء بمصارع من قبلهم ويشكروا ربهم على التمكين، قابلوا ذلك بالكفر والجحود.
تكرار جملة {وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ} مرتين في النظم الإلهي البديع؛ للجمع بين خسرانين:
الخسران الروحي والمقامي عند الله وهو حلول المقت والغضب: {عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا}.
الخسران العملي والوجودي وهو ضياع المصير والهلاك في السعير: {إِلَّا خَسَارًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم الكفار أن كفرهم وقوتهم تزيدهم عزة وثراءً في الدنيا: يظن بعض المستكبرين أن رفضهم للحق يعطيهم استقلالية ومكاسب مادية ومكانة بين أتباعهم.
دحض الشبهة بالمحاكمة الحقيقية للمكاسب والخسائر: نسفت الآية هذا الوهم؛ فكل مكسب دنيوي ظاهري يكتسبه الكافر هو في ميزان الحقيقة «زيادة في المقت الإلهي وزيادة في الخسارة المطلقة»؛ لأن الدنيا فانية ولذاتها زائلة، وما يترتب على الكفر من خسران الجنة والخلود في العذاب يجعل كل ربح موهوم خسراناً محققاً لا جبران له: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.
الحصر بـ {إِلَّا} بعد النفي بـ {لَا} في موضعين: لإفادة قصر أثر الكفر على المقت والخسار، ونفي أي ثمرة حميدة أو نفع يرجى منه.
التنكير في {مَقْتًا} و{خَسَارًا}: لإفادة التهويل والفظاعة؛ فهو مقت لا يقادر قدره، وخسار لا حد لعمقه.
إسناد الزيادة إلى الكفر نفسه في {كُفْرُهُمْ}: تصوير بديع لعمل الكافر كأنه وحش مفترس يتولى إهلاك صاحبه وجلب غضب الله عليه وسوقه إلى الخسار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار مسؤولية الاستخلاف في الأرض: إن وجود الإنسان في هذه الحياة بعد أجيال مضت أمانة ومسؤولية؛ فالله لم يخلقنا عبثاً بل لنعمر الأرض بطاعته ونقيم شريعته، فالحذر من الغفلة ومسارعة الأيام.
الفرار من مقت الله وغضبه: أشد ما ينبغي أن يحذره العبد هو أن يمقته مولاه وخالقه؛ فإن رضي الله عن العبد فتح له أبواب السعادة، وإن مقته هلك وخسر الدنيا والآخرة، فليرقب العبد قلبه وأعماله ليكون من أهل الرضوان.