لم تقف السورة عند نفي الهجر، بل انتقلت إلى بشارتين متصاعدتين: خيرية الآخرة على الأولى {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ}، ثم عطاء موعود مفتوح ينتهي بالرضا التام {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}.
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}؛ وهي منّة يقابل بها ما قصده المشركون من الوضع والحط؛ فكان الرد على تحقيرهم برفع لا ينقطع ما دام في الأرض من يشهد الشهادتين ويؤذَّن للصلاة.
جاءت الأقسام الثلاثة على وجه من التوجيه يجعلها إشارة إلى مواطن نزول الوحي: أرض التين والزيتون التي بُعث فيها من بُعث من أنبياء بني إسرائيل، وطور سينين موضع تكليم موسى عليه السلام، والبلد الأمين مبعث خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم؛ فكان القسم استحضاراً لسلسلة الوحي كلها شاهدةً على مضمون الجواب.
{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}؛ وهو وصف يقابل انقطاع حظوظ الدنيا؛ فمن ثبت على أصل كرامته أُعطي جزاءً لا يعتريه نفاد ولا منّ ولا نقص.
{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ}؛ استفهام إنكاري يقطع على المنكر كل عذر؛ إذ لم يبق بعد هذه الدلائل ما يستند إليه في إنكار الجزاء.
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}؛ فرُدّ الأمر إلى برهان عقلي جامع: أن حكمة الحاكم تأبى التسوية بين من أحسن ومن أساء؛ فإثبات الجزاء لازم لإثبات الحكمة.
افتتحت السورة ببيان أن الكفار من أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا ليُتركوا على حالهم من غير إنذار، ولا ليُؤاخذوا قبل مجيء الحجة؛ فقُدّم أصل العدل قبل أصل الجزاء؛ وهو ترتيب يسد باب الاحتجاج على الله.
ختمت الآية الأخيرة بقيد جامع: {ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}؛ فرُدّ الأمر كله إلى حال القلب؛ إذ الخشية هي الباعث الذي يُصحّح العمل ويصله بالجزاء.
أُدرج في وسط المشهد صوت واحد هو صوت الإنسان: {مَا لَهَا}؛ وهو سؤال حيرة لا سؤال استفهام؛ ليُبرز أن الذي كان يجادل في البعث صار يقف أمامه مبهوتاً لا يملك إلا الاستغراب.
قاعدة الجزاء على مثقال الذرة.
افتتحت السورة بخمسة أقسام متتابعة ترسم مشهداً واحداً في مراحله: عَدْو، فقدح للنار، فإغارة عند الصبح، فإثارة للغبار، فتوسط لجمع العدو؛ فليس القسم بجملة ساكنة بل بحدث يتحرك أمام السامع.
عُبّر عن مآل الخفيف بقوله {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}؛ فجُعلت النار له كالأم التي يأوي إليها؛ وهو تعبير يجمع بين شدة المعنى ولطف العبارة، ويُشعر بأن العبد يصير إلى ما اختاره لنفسه.
إبطال الحسبان، وبيان الجزاء بالتدريج التهويلي.
من كان شأنه حطم الأعراض جُوزي بـ«الحطمة»؛ ومن كانت جنايته صادرة عن فؤاد ممتلئ بالكبر جُوزي بنار {تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ}؛ ومن جمع وعدّد وأحصى جُوزي بأن يُنبذ نبذ الشيء المستحقر.
ختمت السورة بـ{إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ}؛ فقابلت الخلود الموهوم في الدنيا بإطباق حقيقي في الآخرة؛ فمن طلب البقاء من غير بابه أُعطي بقاءً هو عين ما كان يفرّ منه.
لم تحتجّ السورة على قريش بعذاب آجل ولا بمشهد أخروي؛ بل أخذتهم بما بين أيديهم من أمن الطريق وسعة العيش؛ وهذا أقرب مأخذ في مخاطبة من ينكر البعث؛ إذ لا سبيل له إلى جحد ما يعيشه كل يوم.
افتتحت السورة بالسؤال عن المكذب بالدين، ثم لم تصفه بلسان المقال بل بلسان الحال؛ فجعلت دفعَ اليتيم وترك الحضّ على طعام المسكين علامتين كاشفتين عن حقيقة ما في قلبه؛ فمن لم يخف يوم الحساب لم يرحم عاجزاً ولم ينفق درهماً.
صورة المكذب بالجزاء وأثر تكذيبه في معاملته للضعفاء.
جاء {الْكَوْثَرَ} معرَّفاً بلام تحتمل الجنس، ولم يُقيَّد بنوع من الخير؛ فدخل فيه نهر الجنة الذي جاء تفسيره في السنة، ودخل فيه الحوض والنبوة والقرآن والشفاعة وكثرة الأتباع وبقاء الذكر؛ فاللفظ الواحد استوعب وجوه العطاء كلها.
تقرير أن المعاونة على الأذى توجب الاشتراك في الجزاء، وختم السورة بمشهد حسي مجسَّم.
نصّت السورة على نفي الغناء عن المال والكسب نفياً مطلقاً؛ فهي تقرير لقانون عام في سائر الخلق، ولكنه سيق في صورة حالة معيّنة ليكون أثبت في النفوس من القاعدة المجردة.
نزل الخبر بأنه سيصلى ناراً ذات لهب وهو حيّ يسمع ويُتلى عليه سنين؛ وكان في وسعه أن ينقض القرآن كله بكلمة يظهر بها الإسلام؛ فلم يفعل، ومات على ما أُخبر به؛ فكانت السورة حجة قائمة على صدق الوحي إلى قيام الساعة.
فمن حمل الحطب ليؤذي به صار حطبه زاداً لناره، ومن أنفق قلادته في العداوة عُوّض في موضعها حبلاً؛ وهذا معنى جارٍ في كل من نصب نفسه لصدّ الناس عن الحق.
لم تُفرَد المرأة بحكم مستأنف بل عُطفت على زوجها في المصير؛ لأنها كانت شريكته في الفعل؛ فتقرر أن المعاونة على الإثم توجب الاشتراك في تبعته.