فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ
فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ
فرّع الله سبحانه على وصف القرآن بالتذكرة أن جعله مبذولاً لكل راغب. والمعنى عند أئمة التفسير: فمن شاء أن يذكر الله ويتعظ بهذا القرآن فليفعل؛ فالباب مفتوح والتذكرة معروضة. وذكر البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه الآية أن الضمير في {ذَكَرَهُ} يعود على القرآن أو على الوعظ. وبيّن السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن في الآية إبطالاً لاحتكار الهدى لطائفة دون طائفة؛ فليست التذكرة وقفاً على الأغنياء ولا على الأشراف، بل هي لمن شاءها. ويشهد لهذا المعنى نظائره في التنزيل كقوله سبحانه: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، وقوله: {إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تفرّع هذا الحكم على ما قبله تفرعاً منطقياً محكماً؛ فلما تقرر أن القرآن تذكرة، لزم أن يكون معروضاً لكل من أراد؛ إذ التذكرة لا تُخصّ بقوم دون قوم. وفي هذا التفريع نقضٌ صريح لما بُني عليه الترجيح في أول السورة؛ فإن الإقبال على الصناديد كان مبنياً على أنهم مفتاح غيرهم؛ فجاءت هذه الآية لتقرر أن التذكرة لا مفتاح لها إلا المشيئة؛ فمن شاءها نالها ولو كان أعمى فقيراً، ومن لم يشأها لم تنفعه سيادته في قومه. فالآية إذاً ركن في البناء لا مجرد جملة معترضة؛ وبها يتم إسقاط المقدمة التي قامت عليها الحادثة كلها.