فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ
فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ
هذا جواب {أَمَّا} الثانية، وبه تمّت المقابلة. والمعنى عند أئمة التفسير: فأنت تتشاغل عنه وتتغافل وتُعرض. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن «التلهّي» التشاغل والإعراض؛ من قولهم: لهيت عن الشيء إذا تركته وأعرضت عنه. وبيّن القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن هذا هو موضع العتاب بعينه؛ فإن التلهي عن الساعي الخاشي في مقابل التصدي للمستغني قلبٌ لميزان الأولويات. وقد ذكر أهل التفسير أن النبي ﷺ كان بعد نزول هذه الآيات يكرم عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه إذا رآه ويقول: «مرحباً بمن عاتبني فيه ربي»، ويبسط له رداءه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الجواب على وزان الجواب الأول تماماً: جملة اسمية مصدَّرة بالضمير، ثم جار ومجرور مقدَّم، ثم فعل مضارع على صيغة التفعّل مختوم بألف مقصورة. فتطابق الطرفان في البناء الصوتي والصرفي والنحوي، واختلفا في المضمون اختلاف الضدين؛ وهذا هو كمال المقابلة. وفي هذا التطابق فائدة تفسيرية دقيقة: أن الخلل لم يكن في أحد الطرفين وحده، بل في العلاقة بينهما؛ أي في أن هذا أُخذ من رصيد ذاك. ولو كان التصدي للمستغني وحده دون تلهٍّ عن الساعي لما كان ثمّ عتاب بهذه الصورة؛ فالمقابلة نفسها هي موضع الإنكار.