يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
شرع الله سبحانه في تصوير أثر الصاخة في الخلق. والمعنى عند أئمة التفسير: يوم يهرب الإنسان من أخيه لشدة الهول وانشغاله بنفسه. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن الفرار هنا فرار حقيقي من شدة ما هم فيه؛ وقيل: يفرّ منه لئلا يطالبه بمظلمة كانت له عنده، وقيل: لعلمه أنه لا يغني عنه شيئاً. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن الأقوال متقاربة يجمعها أن الروابط التي كانت في الدنيا تنقطع في ذلك الموقف. وبُدئ بالأخ لأنه أول درجات القرابة اللاصقة في الاعتبار المذكور في الآيات؛ ثم يتدرج بعده إلى ما هو ألصق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء تصوير الأثر بمشهد الفرار لا بوصف مجرد؛ وهذا من طريقة القرآن في نقل المعاني إلى صور محسوسة. وبُدئ بالأخ ثم تُدرّج صاعداً إلى الأم والأب والصاحبة والبنين؛ وهو ترتيب مقصود؛ إذ رتّبهم على قدر لصوقهم بالقلب صعوداً لا نزولاً؛ فبدأ بمن الفرار منه أهون وانتهى بمن الفرار منه أشد. وفائدة هذا الترتيب أن يتزايد وقع الهول في نفس السامع مع كل اسم؛ فلو عُكس لبدأ الأثر قوياً ثم ضعف. ثم إن هذا المشهد جاء عقب ذكر متاع الدنيا مباشرة؛ فحصلت مقابلة بين اجتماع الأهل على المائدة في الدنيا وتفرقهم في ذلك اليوم؛ وهي مقابلة صامتة لم يُنطق بها لكن النظم أقامها.