مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ
مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ
وصفان آخران للصحف. أما {مَّرْفُوعَةٍ} فقال أهل التفسير: مرفوعة المكان في السماء، وقيل: مرفوعة القدر والمنزلة، وقيل: الأمران معاً. وأما {مُّطَهَّرَةٍ} فقيل: مطهرة من الدنس والنقص والباطل، وقيل: مصونة لا يمسها إلا الملائكة المطهرون. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن معنى {مُّطَهَّرَةٍ}: مطهرة من كل دنس. ويعضد هذا المعنى قوله سبحانه في موضع آخر: {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}؛ فتلاقى الوصفان في تقرير صيانة الوحي عن أن يناله دنس. وبيّن السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن اجتماع هذه الأوصاف يفيد أن القرآن سالم من كل ما يعتري كلام البشر من خلل ونقص وتناقض.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظمت الأوصاف الثلاثة ــ التكريم والرفعة والتطهير ــ ترتيباً تصاعدياً في المعنى؛ فالتكريم إثبات شرف، والرفعة إثبات علوّ فوق ذلك الشرف، والتطهير نفي لكل نقص يقابل الشرف والعلوّ. فاجتمع في الأوصاف إثباتٌ ثم إثبات أعلى ثم نفي للضد؛ وهذه طريقة القرآن في تكميل الوصف: يُثبت الكمال ثم ينفي النقص. ثم إن هذه الأوصاف مهّدت لما بعدها من ذكر حَمَلتها: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ}؛ إذ الصحف الموصوفة بهذه الصفات لا يليق بها إلا حملة موصوفون بمثلها؛ فالكرام البررة يقابلون المكرمة المطهرة؛ فتناسب الوصفان تناسباً تاماً بين الظرف وحامله.