مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
هذا جواب السؤال المتقدم. والمعنى عند أئمة التفسير: خلقه من ماء مهين قليل، ثم قدّره أطواراً وهيّأه للمعاش. واختُلف في معنى {فَقَدَّرَهُ}؛ فقيل: قدّر أعضاءه وجوارحه فجعل لكل عضو مقداره وموضعه، وقيل: قدّر أجله ورزقه وعمله وشقاوته أو سعادته، وقيل: سوّاه وعدّله؛ والمعاني متلازمة. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن التقدير هنا يشمل تسوية الخلق وتقدير الأطوار. ويشهد لعموم التقدير ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في خلق الإنسان في بطن أمه نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم إرسال الملك ليكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب مطابقاً للسؤال في الحرف والأسلوب؛ فالسؤال {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} والجواب {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ}؛ فتكرر حرف الجر وتكرر الفعل، ولم يتغير إلا موضع الإبهام الذي صار بياناً. وهذا التطابق من أبلغ ما يكون في الإجابة؛ إذ يقع الجواب في موضع السؤال بعينه فلا يبقى للسامع تردد. ثم إن هذه الآية مفتتح سرد الأطوار الخمسة التي تنتهي بالإنشار؛ فبُدئ بأولها وهو الخلق من نطفة، ثم يُعطف عليه ما بعده بحروف الترتيب؛ فتتوالى المراحل كأنها مشاهد متتابعة. وفي هذا التتابع حجة على البعث؛ إذ من ساق الإنسان في هذه المراحل كلها بلا اختيار منه، لن يعجزه أن يسوقه في المرحلة الأخيرة.