وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ
وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ
تضمنت الآية رفع التبعة عن النبي ﷺ فيما لا يملكه. والمعنى عند أئمة التفسير: وأيّ شيء عليك ــ يا محمد ــ في ألا يتطهر هذا المستغني من كفره؟ فلست بمحاسب على امتناعه، ولا مطالب بأن تحمله على الإيمان حملاً. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معناه: ما عليك من وزر ولا تبعة إذا لم يسلم من دعوته إلى الله. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذا تحرير لموقع الداعية من نتائج دعوته؛ فإنما عليه البلاغ، وليس عليه الهدى. ويشهد لهذا الأصل من كتاب الله قوله سبحانه: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}، وقوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية معترضة بين طرفي المقابلة؛ فبعد ذكر الطرف الأول: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ}، وقبل ذكر الطرف الثاني: {وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ}. وموقعها هذا في غاية الإحكام؛ إذ هي العلة الجامعة التي تفسّر لِمَ كان ذلك التصدي في غير محله. فلو ذُكرت بعد تمام المقابلة لكانت تعليقاً على مجموعها، وأما إذ ذُكرت في وسطها فقد صارت فاصلاً يقطع على النفس تعلقها بالطرف الأول قبل أن تنتقل إلى الثاني؛ فكأنه قيل: دع هذا الطرف؛ فليس مما تُسأل عنه؛ ثم انظر إلى الطرف الآخر. وهذا الاعتراض من أدق مواقع النظم؛ إذ يؤدي وظيفة الحجة ووظيفة الفصل بين المشهدين في آن واحد.