ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ
ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ
الطور الرابع. والمعنى عند أئمة التفسير: ثم أماته بعد انقضاء أجله، فجعل له قبراً يُوارى فيه ويُستر. وأجمع أهل اللغة والتفسير على أن {أَقْبَرَهُ} ليس بمعنى «قبره»؛ فإن «قبره» معناه: دفنه بيده، و«أقبره» معناه: جعل له قبراً وصيّره ذا قبر؛ فالهمزة للجعل والتصيير. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معناه: جعله ذا قبر يُقبر فيه ولم يجعله ممن يُلقى للطير والسباع. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن في هذا تكريماً للإنسان؛ إذ خُصّ من بين ما يموت بأن جُعل له قبر يستره. ويشهد لهذا التكريم ما ثبت في السنة من الأمر بتعجيل دفن الميت والإحسان إلى جنازته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اختلف حرف العطف في هذه الآية عن سابقتها؛ فجاء {ثُمَّ} بين التيسير والإماتة، وجاءت الفاء بين الإماتة والإقبار. وهذا في غاية الدقة؛ فإن بين تيسير السبيل والموت عمراً كاملاً؛ فناسبه التراخي، وأما بين الموت والإقبار فمدة يسيرة؛ فناسبها التعقيب. وفي هذا التفريق بين الحرفين دليل على أن نظم القرآن ليس مجرد سرد، بل مراعاة دقيقة لمقادير الزمن بين الأحداث. ثم إن ذكر الإقبار مهّد لما بعده من الإنشار؛ إذ القبر هو الموضع الذي منه يكون البعث؛ فذكره ربطٌ بين الطور الرابع والخامس، وبين النهاية والبداية الجديدة.