فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ
فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ
هذا جواب {أَمَّا} في الآية قبلها. والمعنى عند أئمة التفسير: فأنت تتعرض له وتقبل عليه وتُصغي إليه وتُعنى بأمره. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن «التصدّي» هو التعرض للشيء والإقبال عليه بالوجه. وبيّن القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن هذا ليس نهياً عن دعوة الكبراء ابتداءً، وإنما هو إنكار لتقديمهم على من هو أحق منهم عند التزاحم؛ فالمنكر هو ترتيب الأولوية، لا أصل الإقبال. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن في تقديم الضمير {فَأَنتَ} وتقديم الجار {لَهُ} على الفعل إفادةَ الاختصاص والاهتمام؛ فكأن العناية انصرفت إليه دون سواه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب مصدَّراً بالضمير المنفصل {فَأَنتَ} لا بالفعل؛ فلم يقل: «فتصدّى له»؛ وذلك لأن مبنى الجملة الاسمية على الثبوت والدوام، ومبنى الفعلية على التجدد؛ فأفاد التعبير أن هذا الإقبال صار حالاً مستمرة لا فعلاً عارضاً. وفي هذا من دقة العتاب ما يوجب المراجعة؛ إذ ليس المعاتَب عليه لحظة إعراض، بل نمط في ترتيب العناية استقر. ثم إن تقديم {لَهُ} على الفعل قرينة أخرى على الاختصاص؛ فاجتمع في الآية مؤكدان للحصر: تقديم المسند إليه، وتقديم المتعلق. وهذه الجملة هي الطرف الأول من المقابلة، ويقابلها في الطرف الثاني: {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ}؛ فجاءت الصياغتان على نسق واحد ليظهر التقابل في اللفظ كما ظهر في المعنى.