كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ
{كَلَّا} الردع الثاني في السورة. والمعنى عند أئمة التفسير: ليس الأمر على ما ظنّ هذا الإنسان من الاستغناء والجحود؛ فإنه لم يؤدّ ما أمره الله به إلى الآن. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن معناه: لم يقض هذا الإنسان ما فرض الله عليه من الطاعة. وقيل في معناها وجه آخر ذكره جماعة من المفسرين: أن المراد أن الإنسان مهما بلغ من الطاعة لم يوفّ حق الله عليه؛ فهو تقصير عام لا يسلم منه أحد. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن {لَمَّا} تفيد استمرار النفي إلى زمن التكلم مع توقع حصول المنفي؛ ففي اللفظ إشعار بأن الباب لم يُغلق، وأن المطلوب ما زال منتظراً منه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة لمقطع الأطوار وفاصلاً بينه وبين مقطع الطعام. وموقعها بالغ الإحكام؛ فبعد أن سرد الله على الإنسان تدبيره له في خمسة أطوار من مبدئه إلى منتهاه، جاء الحكم: ومع ذلك كله لم يقضِ ما أُمر به. فتحصل من ذلك مقابلة صامتة بين وفاء الرب بتدبيره وتقصير العبد في أدائه؛ وهذا التقابل هو الذي يمنح الآية وقعها في النفس. ثم إن هذه الآية مهّدت لما بعدها؛ إذ سيأتي أمر جديد: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ}؛ فكأنه قيل: لم تقضِ ما أُمرت به، فها هو أمر يسير قريب المأخذ، فابدأ به.