وَحَدَائِقَ غُلْبًا
وَحَدَائِقَ غُلْبًا
الصنف السادس. و«الحدائق» جمع حديقة، وهي البستان المحوّط عليه؛ سُمّيت بذلك لإحداق الحائط بها؛ أي إحاطته. و{غُلْبًا} جمع «غلباء»، ومعناها عند أئمة التفسير: الغلاظ الضخام الملتفة الأشجار. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن ابن عباس وقتادة أن {غُلْبًا} معناه: ما غلظ من الشجر واستحكم. وقيل: هي الحدائق الملتفة التي بعضها في بعض حتى لا يُرى ما وراءها. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن وصف الحدائق بالغلَب مقصود لبيان كثافة النبت وقوته؛ وهو أعلى ما يبلغه النبات من الوفرة؛ فناسب أن يُذكر في ذروة تعداد النعم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الحدائق بعد الأشجار المفردة؛ وهذا ترقٍّ في السرد من الفرد إلى المجموع؛ فبعد أن ذُكر الزيتون والنخل مفردين، ذُكرت البساتين التي تجمع أصنافاً كثيرة. فتحصّل من التدرج: حبّ يُزرع، ثم شجرة تُغرس، ثم بستان يجمع أشجاراً. وهذا الترقي يبلغ بالسامع ذروة تصور النعمة؛ إذ تنتقل الصورة في ذهنه من حبة إلى غابة ملتفة. ثم إن وصف الحدائق بالغلَب يزيد المشهد كثافة وامتلاء؛ فيكون هو المشهد الأوفى في المقطع؛ ولذلك جاء بعده لفظ جامع مختصر: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا}؛ لأن السرد بعد بلوغ الذروة يعود إلى الإجمال. فانتظم المقطع على هيئة صعود ثم إجمال ثم ختام بالغاية: {مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.