تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ
تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ
وصف ثانٍ لوجوه أهل الشقاء. والمعنى عند أئمة التفسير: تغشاها وتعلوها سواد ودخان وكسوف. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن {قَتَرَةٌ} هي السواد والكسوف؛ من «القُتار» وهو الدخان. و«ترهقها» أي تغشاها وتعلوها. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن الجمع بين الغبرة والقترة أبلغ ما يكون في وصف سوء المنظر؛ فالغبرة من فوق والقترة من تحت، أو الغبرة في الظاهر والقترة أثر من الباطن. ويعضد هذا المعنى ما جاء في التنزيل من وصف الوجوه المسودة يوم القيامة: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء وصف القترة بجملة فعلية {تَرْهَقُهَا} بعد أن جاء وصف الغبرة بجملة اسمية {عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}؛ وفي هذا الاختلاف دقة؛ فإن الجملة الاسمية تفيد الثبوت، والفعلية تفيد التجدد. فأفاد النظم أن الغبرة ثابتة مستقرة، وأن القترة متجددة تغشى مرة بعد مرة؛ فاجتمع على تلك الوجوه ثابتٌ ومتجدد. ثم إن هذه الآية خاتمة وصف الفريق الثاني، ويليها الحكم النهائي: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}. فالنظم يسير من وصف الحال إلى تعيين الموصوف؛ وهو ترتيب يجعل الحكم واقعاً بعد استيفاء الأمارات؛ فيتقرر في النفس أنه حكم مبني على وصف ظاهر لا على مجرد تسمية.