أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ
أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ
بيّنت هذه الآية سبب العبوس والتولّي: وهو مجيء الرجل الأعمى في وقت انشغالٍ بغيره. والأعمى هنا معيَّن معروف، وهو عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، القرشي العامري، ابن خال أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها؛ واختُلف في اسمه فقيل: عبد الله، وقيل: عمرو. وقد أكرمه الله بعد هذه الحادثة بما هو أعظم من مجلسٍ فاته؛ فكان أحد مؤذني رسول الله ﷺ، وكان النبي ﷺ يستخلفه على المدينة إذا خرج عنها في بعض مغازيه. وذكر أهل التفسير أنه رضي الله عنه جاء يسأل النبي ﷺ أن يعلّمه مما علّمه الله، وأنه كان يكرر السؤال لا يعلم بمن عنده من أشراف القوم؛ لأنه لم يكن يبصر المجلس فيعرف موضع الاشتغال. وأشار الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية إلى أن ذكره بوصف العمى دون اسمه مقصود في النظم؛ لأن الوصف هو مناط العذر ومناط العناية جميعاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تأخر بيان السبب عن ذكر الفعل، ولم يقدَّم عليه؛ فقيل: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ}، ولم يقل: «لما جاءه الأعمى عبس وتولى». وفي هذا التأخير غرض بلاغي دقيق: أن يُلقى الفعل أولاً مجرداً فيقع في النفس موقعه، ثم يُذكر سببه فيزداد وقعه؛ لأن السامع إذا علم أن موجب العبوس مجيء أعمى طالبِ هدى، عظم في نفسه المعنى وتقرر المقصود. ولو قُدّم السبب لصار الكلام حكاية مرتبة تفقد أثر المفاجأة. ثم إن في تأخيره تمهيداً للآية بعده؛ إذ لما ذُكر وصف العمى ناسب أن يُقال: {وَمَا يُدْرِيكَ}؛ فإن الذي خفي عن النبي ﷺ من حال الرجل نظير ما خفي عن الرجل من حال المجلس.