وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ
هنا يقع الالتفات من الغيبة إلى الخطاب؛ فبعد أن حُكيت الحادثة على وجه الإخبار، وُجّه الكلام إلى النبي ﷺ مباشرة. والمعنى عند أئمة التفسير: وأيّ شيء يُعلمك ــ يا محمد ــ ويطلعك على عاقبة أمر هذا الرجل؟ لعله يتطهر من الذنوب بما يسمع منك، ويزكو بالعمل الصالح وينمو إيمانه. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن {يَزَّكَّىٰ} معناه: يتطهر من دنس الذنوب بالإيمان والعمل. وقرر البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه الآية أن المراد التطهر بالإسلام والعلم النافع، وأن العلم بعاقبة الأمر إنما هو إلى الله وحده. وبيّن السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذا استفهام يُراد به التنبيه على أن الحكم على المدعوين بمآلاتهم غيب مطوي عن الخلق؛ فلا يُبنى ترتيب العناية على الظنون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل الأسلوب من الإخبار إلى الخطاب في هذا الموضع بالذات؛ لأن مقصود العتاب قد تهيأ له السامع بذكر الواقعة، فصار الخطاب في محله لا يستثقل. ثم إن هذا الخطاب بُني على الاستفهام لا على النهي المباشر؛ فلم يقل: «لا تعبس ولا تتولَّ»، بل قيل: {وَمَا يُدْرِيكَ}؛ لأن مبنى العتاب على أن الفعل صدر عن تقدير مصلحةٍ ظُنّت، والظن لا يُدفع بالنهي بل يُدفع بكشف عدم العلم الذي بُني عليه. فالآية تنقض المقدمة التي قام عليها الترجيح: أنت رجّحت الإقبال على الصناديد لظنك أن نفعهم أعم؛ وهذا الترجيح مبني على علم بالمآلات، والمآلات لا تُعلم. وهي في الوقت نفسه تمهيد للآية بعدها التي تفصّل ثمرة المجيء إلى شقّين: تزكٍّ وتذكّر.