مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
شرع الله سبحانه في إقامة الحجة على هذا الجاحد بتذكيره بأصله. والمعنى عند أئمة التفسير: من أيّ شيء خلق الله هذا الإنسان حتى تكبّر واستعلى وكفر؟ وهو استفهام يراد به التحقير والتصغير وكسر الكبر. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن هذا سؤال جوابه في الآية بعدها؛ فهو استفهام يعقبه بيان. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد تذكير الإنسان بحقارة أصله ليعلم أنه ليس أهلاً للكبر ولا للجحود. وبيّن ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن التصدير بالاستفهام قبل الجواب طريقة في التقرير تجعل السامع يشارك في استخراج الحجة فتكون ألزم له.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الاستفهام بعد التعجب من الكفر مباشرة؛ وهذا ترتيب حجاجي محكم؛ إذ الكبر هو باعث الكفر في الغالب، وأنجع ما يُعالج به الكبر تذكير صاحبه بأصله. فكأن الآية تقول: قبل أن تجادل في البعث، انظر من أين جئت. ثم إن تقديم السؤال على الجواب أشدّ في التقرير؛ لأن السامع إذا سُئل تهيأ ذهنه لاستقبال الجواب فوقع منه موقعاً لا يقع لو أُلقي عليه ابتداءً. ثم إن هذا السؤال مدخل إلى سرد أطوار الخلق الخمسة في الآيات التالية؛ فهو بمنزلة العنوان لما بعده. وفيه أيضاً مناسبة لطيفة لما تقدم في السورة؛ فإن أول السورة قرر أن الميزان ليس بما يفتخر به الناس، وهذه الآية تنقض أصل الافتخار من جذوره ببيان أن أصل الجميع واحد مهين.