ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
الطور الثالث من أطوار الإنسان. واختُلف في المراد بـ{السَّبِيلَ}؛ فذهب جماعة من السلف إلى أن المراد سبيل خروجه من بطن أمه؛ أي: يسّر عليه الولادة بعد أن كان في ضيق الرحم. وذهب آخرون إلى أن المراد سبيل الخير والشر؛ أي: بيّنه له ودلّه عليه وهيّأه للسلوك فيه؛ ويعضده قوله سبحانه: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}، وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين ونقلهما عن أهل التأويل. والمعنيان صحيحان في نفسيهما، ولفظ الآية يحتملهما؛ فالتيسير واقع في الطريق الحسي إلى الدنيا، وفي الطريق المعنوي إلى الآخرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء العطف بـ{ثُمَّ} لا بالفاء؛ لأن بين التقدير في الرحم وبين تيسير السبيل مهلة زمنية معتبرة؛ فناسب حرف التراخي. وفي هذه الآية تغيّر أسلوب النظم؛ إذ قُدّم المفعول على الفعل بعد أن كان الفعل مقدماً في {خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ}. وهذا العدول مقصود؛ فإن المقام مقام تعداد نعم متوالية، والسبيل هو أعظمها أثراً في مصير الإنسان؛ فقُدّم للاهتمام. ثم إن هذا التقديم يهيّئ لما بعده من العطف بـ{ثُمَّ} في {ثُمَّ أَمَاتَهُ}؛ فتتوالى الأطوار في نسق واحد. وفي ترتيب الأطوار حجة متصاعدة: بدء من عدم، فتقدير، فتيسير، فإماتة، فإنشار؛ فمن سلّم بالأربعة الأولى وهي مشاهدة، لزمه التسليم بالخامسة وهي مغيّبة.