وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
الدرجة الأخيرة والأشد في مشهد الفرار. و«الصاحبة» هي الزوجة؛ سُمّيت بذلك لمصاحبتها ومعاشرتها. و«البنون» هم الأولاد؛ وهم أعلق الخلق بقلب الوالد. والمعنى عند أئمة التفسير: ويفرّ كذلك من زوجته وأولاده. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن ختم التعداد بالصاحبة والبنين لأنهما أشد ما يتعلق به قلب المرء في الدنيا. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن ذكر هؤلاء الخمسة على هذا الترتيب مقصود لبيان أن الهول بلغ منتهاه؛ إذ لو بقي في النفس مُتّسع للالتفات إلى أحد لكان هؤلاء أولى الناس بالالتفات إليهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية سلّم التصعيد في مشهد الفرار؛ فبلغ منتهاه بذكر الصاحبة والبنين. وترتيب الخمسة على هذا النسق ــ الأخ، ثم الأم، ثم الأب، ثم الصاحبة، ثم البنون ــ ترتيب صاعد في شدة التعلق بالقلب لا نازل؛ وهذا هو الأليق بمقام التهويل؛ إذ يُترك الأشد إلى الآخر ليكون آخر ما يستقر في النفس. ثم إن هذه الآية مهّدت للتعليل الذي يليها: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}؛ فإن السامع بعد أن استوعب المشهد كله يسأل في نفسه: ولمَ كل هذا الفرار؟ فيأتيه الجواب في الآية التالية. فانتظم المقطع على هيئة عرضٍ للصورة ثم بيانٍ لعلّتها؛ وهو ترتيب يجعل التعليل واقعاً في موضع الحاجة إليه.