أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا
أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا
شرع الله سبحانه في تفصيل ما أُمر الإنسان بالنظر فيه؛ فبدأ بأول أسباب الطعام وهو الماء. والمعنى عند أئمة التفسير: أنّا أنزلنا المطر من السماء إنزالاً متتابعاً. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن الصبّ هنا صبّ المطر من السماء. وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر: أن المراد ما يجري في الأرض من العيون والأنهار؛ والأول أظهر لموافقته سائر آيات التنزيل في هذا المعنى. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن قراءة فتح الهمزة في {أَنَّا} تجعل الجملة بدل اشتمال من {طَعَامِهِ}؛ أي: فلينظر إلى طعامه أنّا صببنا الماء؛ وقرئ بكسرها على الاستئناف؛ فيكون ابتداء بيان مستقل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بدأ التفصيل بالماء لأنه أول الأسباب وأصلها؛ إذ لا نبات بلا ماء؛ فجرى الترتيب على ترتيب الوجود في الواقع لا على ترتيب المشاهدة عند الآكل. وهذا من دقة النظم؛ فإن الإنسان يرى الثمرة أولاً ثم يبحث عن سببها، والقرآن ساقه من السبب الأول إلى الثمرة الأخيرة؛ ليريه السلسلة كاملة من مبدئها. ثم إن هذا الترتيب هو عين الترتيب الذي يقرر البعث؛ فالماء ينزل على أرض ميتة هامدة فتحيا؛ وهذا هو المشهد المطلوب إبرازه. ولذلك جاء إسناد الفعل إلى ضمير العظمة {صَبَبْنَا}؛ ليتقرر أن الفاعل واحد في المشهدين: في إحياء الأرض وفي إحياء الأجساد.