بِأَيْدِي سَفَرَةٍ
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ
انتقل الوصف من الصحف إلى حَمَلتها. والمعنى عند جمهور أئمة التفسير: هذه الصحف بأيدي ملائكة كرام هم الوسائط بين الله وبين رسله. و«السفرة» جمع سافر، واختُلف في اشتقاقه؛ فقيل: من السفارة وهي السعي بين القوم بالصلح والإصلاح؛ فالملائكة سفراء بين الله وأنبيائه. وقيل: من «سَفَرَ الكتابَ» إذا كتبه؛ فالسفرة هم الكتبة؛ ومنه «السِّفْر» للكتاب. وقيل: من «أسفر» إذا أضاء وانكشف؛ فسُمّوا بذلك لظهور الحق بهم. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنهم الملائكة الكتبة. وثبت في الصحيح ما يعضد شرف هذا الوصف؛ فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر الحَمَلة بعد ذكر المحمول ترتيباً محكماً؛ إذ الأصل تعظيم الشيء في نفسه ثم تعظيمه بمن يتولاه. وفي هذا الترتيب حجة على المشركين من وجه آخر؛ فإنهم كانوا يرمون النبي ﷺ بأن ما يأتي به من إلقاء الشياطين؛ فجاء البيان بأن الطريق الذي ينزل منه هذا الوحي طريق مصون من مبدئه: صحف مكرّمة مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة كرام بررة. فلا مدخل للشياطين في شيء من ذلك؛ لا في الصحف لأنها مطهرة، ولا في الحملة لأنهم كرام بررة. فالآية إذاً ركن في تقرير عصمة طريق التنزيل، وهي ممهدة لما جاء في سورة التكوير بعدها من وصف الرسول الملكي بالقوة والأمانة والمكانة.