فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ
فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ
افتتاح المقطع الرابع بأمر جديد. والمعنى عند أئمة التفسير: فلينظر الإنسان إلى طعامه الذي يأكله نظر اعتبار وتفكر: كيف جاءه؟ ومن الذي أخرجه له؟ وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المراد النظر بالفكر والاعتبار لا مجرد النظر بالعين. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن الله وجّه النظر إلى الطعام دون غيره لأنه أقرب المحسوسات إلى الإنسان وألصقها بحاجته وأكثرها تكرراً في يومه؛ فالحجة به ألزم. وذكر بعض السلف في تأويل الآية معنى آخر لا ينافي الأول: أن ينظر الإنسان إلى مصدر طعامه من أين اكتسبه، أمن حلال أم من حرام؛ وهو معنى صحيح دلّت عليه نصوص أخر، وإن كان سياق الآية على الأول أظهر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الأمر عقب تقرير التقصير مباشرة؛ فبعد أن قيل: {لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ}، جاء أمر يسير الامتثال قريب المأخذ: انظر إلى طعامك. وفي هذا حكمة تربوية بالغة؛ إذ يُقاد المقصّر إلى الطاعة من أقرب أبوابها وأيسرها، لا من أشقها. ثم إن اختيار الطعام دون غيره من النعم في غاية المناسبة للسياق؛ فإن المقصود الاستدلال على البعث، والطعام أظهر شاهد على إحياء الموات؛ إذ الحبة تُلقى في الأرض فتموت ثم تحيا وتخرج نباتاً. فالمقطع كله ــ من صبّ الماء إلى الأبّ ــ برهان محسوس على القدرة على النشور المذكور قبل آيتين. وبهذا يتبين أن الانتقال من مقطع الأطوار إلى مقطع الطعام ليس انتقالاً إلى موضوع جديد، بل هو استئناف للحجة نفسها بدليل آخر.