لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
تعليل لما تقدم من الفرار. والمعنى عند أئمة التفسير: لكل إنسان منهم في ذلك اليوم حال وأمر يشغله عن غيره ويكفيه همّاً عن الالتفات إلى سواه. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معنى {يُغْنِيهِ}: يشغله عن شأن غيره ويكفيه. وقد ثبت في السنة ما يوضح هذا المعنى؛ فأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، قالت: فقلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: «الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكَ». وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا الحديث تفسير لهذه الآية بعينها؛ فإن شدة الأمر هي التي أغنت كلاً عن غيره.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد استيفاء مشهد الفرار لتكون العلة الجامعة له؛ وموقعها بعد المشهد لا قبله في غاية الحكمة. فلو قُدّمت لكان الكلام تقريراً لقاعدة ثم تمثيلاً لها؛ وأما إذ تأخرت فقد صار السامع يعاين الصورة أولاً فتثير في نفسه السؤال، ثم يأتيه الجواب في موضع طلبه له؛ وما جاء بعد طلب أثبت مما جاء قبله. ثم إن هذه الآية تختم الشطر الأول من مشهد القيامة ــ وهو شطر الهول ــ لينتقل بعدها إلى شطر القسمة والجزاء: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ}. فالسورة تنتقل من عموم الهول الذي يعمّ الجميع إلى تمييز الفريقين؛ وهو الترتيب الطبيعي في مشاهد القيامة: هول عام، ثم فصل بين الناس.