قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ
قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ
انتقل السياق من تعظيم الوحي إلى تقريع من كفر به. والمعنى عند أئمة التفسير: لُعن الإنسان الكفور وأُهلك؛ ما أشد كفره مع ظهور الآيات وتوالي النعم. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن {قُتِلَ} هنا بمعنى: لُعن؛ لأن المقتول ملعون عند العرب مبعَد من الخير. واختُلف في {مَا أَكْفَرَهُ}؛ فقيل: صيغة تعجب من شدة كفره، وقيل: استفهام إنكاري توبيخي؛ أي: أيّ شيء حمله على الكفر مع وضوح الأدلة، وقيل: بمعنى ما الذي أصاره كافراً. وبيّن السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن المراد بـ{الْإِنسَانُ} هنا جنس الكافر المعاند، لا كل إنسان؛ بدليل السياق وما بعده من الوصف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا المقطع عقب وصف الوحي بأرفع الأوصاف؛ فحصلت بينهما مقابلة صامتة بالغة الأثر: وحيٌ في صحف مكرّمة مرفوعة مطهرة بأيدي كرام بررة، وإنسانٌ يُقابل هذا كله بالكفر والجحود. فبقدر ما ارتفع وصف الأول انحطّ وصف الثاني؛ وهذا التقابل بين الصورتين هو الذي يمنح الآية وقعها. ثم إن الانتقال من الحديث عن شخص معيّن في أول السورة إلى الحديث عن الجنس هنا ترقٍّ من الجزئي إلى الكلي؛ فالحادثة كانت مدخلاً، والقانون هو المقصود. وهذه الآية مفتاح المقطع الثالث كله؛ إذ يليها الاستدلال على سفه هذا الكفر بتذكيره بأصله وأطواره.