كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ
كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ
{كَلَّا} حرف ردع وزجر عن معاودة ذلك الصنيع. والمعنى: ليس الأمر كما وقع من تقديم المستغني على الساعي؛ فارتدع عن ذلك. ثم استؤنف بتقرير حقيقة القرآن: {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}. واختُلف في مرجع الضمير في {إِنَّهَا}؛ فقيل: يعود على آيات هذه السورة، وقيل: على القرآن باعتبار كونه آيات، وقيل: على الموعظة والتذكرة المفهومة من السياق؛ والأقوال متقاربة ترجع إلى معنى واحد. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن معنى {تَذْكِرَةٌ} أنها عظة يتذكر بها من أراد التذكر. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن {كَلَّا} هنا فاصلة بين المقطعين؛ إذ ختمت مقطع العتاب وافتتحت مقطع تعظيم الوحي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع {كَلَّا} في مفصل السورة بالغ الدقة؛ فقد جاءت بعد تمام المقابلة وقبل الشروع في وصف الوحي؛ فأدت وظيفتين: ختم ما قبلها بالردع، وافتتاح ما بعدها بالتنبيه. ثم إن الانتقال من عتاب في شأن مدعوّ إلى تعظيم شأن القرآن انتقال محكم؛ إذ العلة الجامعة أن الذي كان يُعرض عليهم هو هذه التذكرة؛ فمن استغنى عنها فقد بخس نفسه، ولم ينقص من قدرها شيئاً؛ فلا يستحق أن يُتلطف له على حساب من طلبها. فالآية إذاً تعليل خفيّ لما تقدم: إن الذي بيدك ليس بضاعة تُعرض على المشترين بالإلحاح، بل تذكرة مرفوعة القدر؛ فمن شاء أخذها.