وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
تابع مشهد الفرار في درجة أعلى من الأولى. والمعنى عند أئمة التفسير: ويفرّ من أمه وأبيه أيضاً؛ وهما أقرب إليه من الأخ وأعظم حقاً عليه. وذكر أهل التفسير أن تقديم الأم على الأب هنا لأن حقها آكد وشفقتها أعظم؛ فالفرار منها أدلّ على شدة الهول من الفرار من الأب. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا التدرج مقصود لبيان أن الهول يبلغ مبلغاً تنقطع عنده أوثق الروابط. ويؤيد هذا الترتيب ما ثبت في السنة من تقديم الأم في البر ثلاث مرات قبل الأب؛ فجرى نظم الآية على ما تقرر في الشرع من ترتيب الحقوق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): قُدّمت الأم على الأب في هذا الموضع؛ وهو موافق لما جرى عليه الشرع في تقديم حقها. وفي هذا التقديم فائدة في تصعيد الهول؛ فإن الفرار من الأم أشد استنكاراً في الطبع من الفرار من الأب؛ إذ شفقتها أعظم وقربها ألصق. ثم إن جمع الأبوين في آية واحدة مع إفراد الأخ في آية قبلها يفيد أنهما رتبة واحدة في الاعتبار، وأن الأخ رتبة دونهما. وهكذا تسير الآيات في ثلاث درجات: الأخ وحده، ثم الأبوان، ثم الصاحبة والبنون؛ فكل درجة أشد من التي قبلها؛ حتى ينتهي المشهد إلى أقصى ما يمكن أن يُتصور من انقطاع.