ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
السبب الثاني في سلسلة الطعام. والمعنى عند أئمة التفسير: ثم شققنا الأرض بالنبات فانصدعت عنه. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن المراد شقّها بالنبات الذي يخرج منها. وذكر بعضهم وجهاً آخر: أن المراد شقّها بالحرث والفلاحة؛ والأول أظهر؛ لأن الفعل مسند إلى الله سبحانه بضمير العظمة، والحرث فعل العباد. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن ترتيب الشقّ بعد الصبّ ترتيب للأسباب على وجهها؛ فالماء ينزل أولاً فيلين الأرض ويحرّك ما فيها، ثم تنشقّ عن النبات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جرى العطف هنا بـ{ثُمَّ} لا بالفاء؛ لأن بين الصبّ والانشقاق مهلة تتخلل: يشرب الثرى، وتتحرك البذرة، وتنتفخ، ثم تدفع التربة. فراعى النظم مقدار الزمن بين الحدثين كما راعاه في مقطع الأطوار حين فرّق بين {ثُمَّ أَمَاتَهُ} و{فَأَقْبَرَهُ}. ثم إن اختيار لفظ «الشقّ» هنا في غاية المناسبة للمقصود الأعظم من السياق؛ فإن الأرض هي التي تُشقّ يوم البعث عن الأجساد كما قال سبحانه: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا}؛ فوقع اللفظ في المشهدين واحداً؛ فصار انشقاق الأرض عن النبات في الدنيا صورة مصغرة لانشقاقها عن الموتى في الآخرة. وهذا هو موضع الحجة الخفية في الآية.