وَعِنَبًا وَقَضْبًا
وَعِنَبًا وَقَضْبًا
الصنفان الثاني والثالث. أما {عِنَبًا} فهو معروف، وهو ثمر الكرم؛ وقد ذكره الله في مواضع كثيرة من كتابه امتناناً؛ لأنه جامع بين كونه فاكهة وقوتاً وشراباً. وأما {قَضْبًا} فقال أئمة التفسير: هو الرَّطْبة التي تأكلها الدواب وهي خضراء؛ وتسمى عند أهل مكة «القَضْب» وعند أهل غيرهم «القَتّ» و«الفِصفصة»؛ وسمّيت بذلك لأنها تُقضب مرة بعد مرة؛ أي تُقطع فتنبت ثانية. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن ابن عباس وقتادة وغيرهما أن القضب هو ما يُقضب من البقول ويُؤكل رطباً. وقيل: هو كل ما يُؤكل من النبات غضّاً طرياً؛ وهذا أعمّ والمعنى متقارب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء العنب في المرتبة الثانية بعد الحبّ؛ وهو ترتيب دقيق؛ فإن العنب يلي الحبّ في عموم المنفعة؛ إذ يؤكل رطباً ويابساً، ويُتخذ منه ما يُدّخر، ويُشرب ماؤه. ثم عُطف عليه القضب وهو أدنى منه في المنزلة؛ فبدأ التدرج نازلاً من القوت إلى ما دونه. وفي جمع العنب والقضب في آية واحدة نكتة؛ فإن العنب مما يُدّخر ويُنتفع به على مدى طويل، والقضب مما يُؤكل رطباً ولا يُدّخر؛ فجُمع بين الباقي والفاني من النبات في نسق واحد؛ للإشارة إلى أن العناية شملت الحاجات الممتدة والحاجات اليومية جميعاً. ثم إن ذكر القضب مهّد لما يأتي في آخر المقطع من ذكر الأبّ وهو مرعى الأنعام؛ فتدرّج السياق من الإنسان إلى الدواب في هدوء.