فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ
فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ
شرع الله سبحانه في بيان موضع هذه التذكرة ومنزلتها. والمعنى عند أئمة التفسير: هذه التذكرة مثبتة في صحف معظمة عند الله. واختُلف في المراد بالصحف؛ فقيل: هي اللوح المحفوظ، وقيل: صحف الملائكة التي ينسخون منها، وقيل: كتب الأنبياء المتقدمة، وقيل: المصاحف التي بأيدي المسلمين؛ والقول الجامع أن اللفظ يحتمل ذلك كله؛ إذ المقصود بيان شرف موضع الوحي وطهارة طريقه. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن قتادة أن الصحف هي التي بأيدي الملائكة. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد تعظيم شأن القرآن ببيان محله ومن يتولاه؛ فمن أعرض عن شيء هذا شأنه فقد بلغ الغاية في الحرمان.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من بيان حقيقة القرآن ــ وهو أنه تذكرة ــ إلى بيان منزلته وموضعه؛ وهذا ترتيب طبيعي؛ إذ يُذكر ما الشيء أولاً، ثم أين هو وما قدره ثانياً. وفي هذا الانتقال حجة على المعرضين؛ فإنهم لما استغنوا عنه احتقروه واستقلوه؛ فجاء البيان ليقرر أن هذا الذي احتقرتموه مصونٌ في أعلى موضع بأيدي أشرف الحملة. ثم إن ذكر الصحف هنا يقابل ما جرى في أول السورة من إعراض معرض؛ فبيّن أن الإعراض عن الوحي لا يقدح فيه ولا ينقص من رفعته؛ إذ هو محفوظ عند الله قبل أن يصل إلى الناس وبعد أن يصل. وهذا هو المعنى الذي انتظمت به الآيات الأربع المتوالية في وصف الصحف وحاملها.