وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ
وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ
هذا الطرف الثاني من المقابلة، وهو صنف المقبلين. والمراد به عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه ومن كان على شاكلته من طلاب الهدى. والمعنى عند أئمة التفسير: وأما من جاءك ماشياً مسرعاً يطلب ما عندك من العلم والخير. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن {يَسْعَىٰ} هنا بمعنى المشي بجدّ واجتهاد لا مجرد الانتقال. وبيّن البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه الآية أن في التعبير بالمجيء والسعي معاً إبرازاً لتكلف الرجل المشقة في طلب الهدى؛ إذ ترك بيته وقصد المجلس وهو لا يبصر طريقه. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن ذكر السعي هنا في مقابلة ذكر الاستغناء هناك من أبدع التقابل؛ إذ قابل حركة الطالب بسكون المعرض.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الجملة على نسق الجملة الأولى حرفاً بحرف في البنية: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ} في مقابل {وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ}؛ فاتحد المبنى واختلف المعنى؛ وهذا هو أصل المقابلة البلاغية. غير أن الطرف الثاني زيد فيه وصفان: السعي والخشية، بينما اقتصر الطرف الأول على وصف واحد هو الاستغناء. وفي هذه الزيادة نكتة دقيقة: أن جانب المقبل احتاج إلى تفصيل لبيان مقدار استحقاقه، وأما جانب المعرض فوصف واحد كافٍ في إسقاط دعواه. ثم إن قوله {جَاءَكَ} فيه ردّ لطيف؛ فإن المستغني لم يأتِ بل أُتي إليه، وهذا جاء بنفسه؛ ففرق بين من يُطلب ومن يَطلب.