أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ
أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ
عطف الله سبحانه على الرجاء الأول رجاءً ثانياً؛ فبعد {لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} قال: {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ}. والمعنى عند أئمة التفسير: أو لعله يتعظ بما يسمع من الموعظة فتنفعه العظة في دينه ودنياه. وفرّق المفسرون بين المقامين؛ فقالوا: التزكي طهارة من الشرك والمعاصي، والتذكّر اتعاظ وانتفاع بما يُلقى إليه من العلم. وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن الجمع بين اللفظين استيعاب لثمرتي مجلس العلم: ثمرة تصحيح المعتقد، وثمرة تقويم السلوك. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن ذكر النفع مرتباً على التذكر بالفاء يفيد أن العظة ليست مقصودة لذاتها بل لأثرها؛ فما لم يثمر أثراً لم يُسمَّ ذكرى نافعة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم هذا الرجاء الثاني مع الأول انتظاماً يستوعب مراتب الانتفاع بالعلم كلها؛ فالتزكي طهارة الباطن وارتقاؤه، والتذكر يقظة القلب واتعاظه. ورُتّب الأدنى بعد الأعلى؛ إذ التزكية غاية والتذكّر وسيلة أو ثمرة دون الغاية؛ فكأنه قيل: إن لم تبلغ به المجالسة رتبة التزكي الكامل، فلن تعدم أن تبلغ به رتبة الاتعاظ النافع؛ وأدنى الرتبتين خير من إعراضٍ لا ثمرة له. وفي هذا الترتيب حجة على أن الإقبال على المقبل لا يخيب في كل حال؛ بخلاف الإقبال على المستغني الذي قد يخيب في كل حال. ثم إن ذكر «النفع» هنا تمهيد لما يأتي في المقابلة من رفع التبعة: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ}؛ فحيث وُجد رجاء النفع وُجد موجب العناية، وحيث انتفى انتفى.