أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ
شرع الله سبحانه في عقد المقابلة الحاسمة بين صنفي المدعوين؛ فبدأ بالصنف المعرض: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ}. والمراد به من استغنى بماله وجاهه عن الإيمان، ورأى نفسه في غنية عن هدى الله وعن مجالسة أهل الحق. وذكر أهل التفسير أن المعنيّ بهم في الحادثة نفر من صناديد قريش كان النبي ﷺ يعرض عليهم الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم من وراءهم. وبيّن الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن الاستغناء هنا استغناء عن الإيمان لا استغناء المال المجرد؛ فالغنى المالي ليس بذاته موجباً للذم، وإنما الذم لمن جعل غناه حجاباً بينه وبين الحق. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا الوصف جامع لكل من صدّه غناه عن قبول الهدى في كل زمان، فلا تختص الآية بأولئك النفر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): افتُتحت المقابلة بصنف المعرضين قبل صنف المقبلين؛ ووجهه أن الحادثة إنما وقع فيها الإقبال على هؤلاء أولاً؛ فجرى النظم على ترتيب الواقعة ليكون التصوير مطابقاً لما جرى. ثم إن تقديم المذموم في هذا السياق يُهيّئ النفس لاستقبال المحمود بعده فيقع منها موقع الاستحسان؛ إذ الشيء يتبين حسنه بضده. وقد جاءت هذه المقابلة عقب تقرير أن العلم بالمآلات ممتنع؛ فكأنه قيل: إذا امتنع الترجيح بالمآل، فالترجيح إنما يكون بالحال؛ وهذا حاله وذاك حاله؛ فانظر أيّهما أحق بالعناية. فالآيات تسير من نقض المقدمة إلى عرض البديل، وهو ترتيب برهاني محكم.