وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ
بدء القسمة الأخيرة بين الفريقين. والمعنى عند أئمة التفسير: وجوه في ذلك اليوم مضيئة مشرقة نيّرة. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن {مُّسْفِرَةٌ} معناها: مشرقة مضيئة، من «أسفر الصبح» إذا أضاء. وقيل: مسفرة من طول ما اغبرّت في سبيل الله، وقيل: من أثر الوضوء وقيام الليل؛ والمعاني ترجع إلى أن النور الذي يظهر عليها أثر لما قدّمته من العمل. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن إشراق الوجه في ذلك اليوم علامة على البشرى بالنجاة؛ فالسيماء تنطق بالمآل قبل أن يُنطق به. ويعضد هذا المعنى قوله سبحانه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من مشهد الهول العام إلى مشهد القسمة والتمييز؛ وهذا هو الترتيب الطبيعي لمشاهد ذلك اليوم. وبُدئ بأهل النجاة قبل أهل الشقاء؛ وهو ترتيب مقصود؛ إذ الغالب في القرآن تقديم البشارة على النذارة في مقام القسمة؛ ليبقى الترهيب آخراً فيكون هو الأثر المستقر. ثم إن ختم السورة بذكر الوجوه فيه مناسبة بديعة لمطلعها؛ فقد افتُتحت السورة بذكر وجه عبس وتولى، وخُتمت بذكر وجوه مسفرة ووجوه عليها غبرة؛ فدارت السورة على معنى «الوجه» من أولها إلى آخرها. وهذا من أعجب ما يُلمح في بناء السورة؛ إذ صار مطلعها وخاتمتها متلاقيين على لفظ واحد ومعنى متصل.