{فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ}؛ فليس عليه هداية القلوب ولا حمل الناس على الإيمان، وإنما عليه البلاغ والتذكير؛ وفي هذا تخفيف عنه وتحديد لحدود المسؤولية.
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} تقرير لحدّ ما على الداعية وما ليس عليه؛ فعليه البلاغ والبيان، وليس عليه قهر القلوب على القبول.
حدود وظيفة الرسول ﷺ ومرجع الخلق إلى الله.
{إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} تقديم للجار والمجرور يفيد القصر؛ فلا مرجع لهم إلى غيره ولا حساب عليهم عند سواه؛ وفيه تسلية للرسول ﷺ وتهديد للمعرضين معاً.
أقسم الله بالفجر، وبليال عشر، وبالشفع والوتر، وبالليل إذا يسري؛ وكلها أزمنة متحركة متبدلة، تشهد بأن هذا الكون قائم على التداول والانقضاء لا على الثبات؛ فمن ظن أن حاله دائم فقد كذّبته الأزمنة نفسها. ثم عقّب بقوله: {هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} تنبيهاً على أن هذا البيان إنما ينتفع به صاحب العقل الحاجز عن الهوى.
القسم بمشاهد الزمن وتنبيه أولي العقول.
أقسم سبحانه بالبلد الحرام، ثم بحال النبي ﷺ فيه، ثم بالوالد وما ولد؛ فجمع بين شرف المكان وشرف الإنسان؛ لتكون هذه المقسمات مقدمة لقضية السورة في شأن هذا الإنسان الذي كرّمه ثم كلّفه.
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}؛ فالباء للسببية، والمعنى أن حاملهم على تكذيب رسولهم كان مجاوزتهم الحد في العتو لا قصور الحجة عندهم؛ وهذا كشف لجذر الكفر النفسي، لا مجرد إخبار تاريخي.
تعداد المنن الثلاث على النبي صلى الله عليه وسلم.
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}؛ وهي منّة يقابل بها ما قصده المشركون من الوضع والحط؛ فكان الرد على تحقيرهم برفع لا ينقطع ما دام في الأرض من يشهد الشهادتين ويؤذَّن للصلاة.
جاءت الأقسام الثلاثة على وجه من التوجيه يجعلها إشارة إلى مواطن نزول الوحي: أرض التين والزيتون التي بُعث فيها من بُعث من أنبياء بني إسرائيل، وطور سينين موضع تكليم موسى عليه السلام، والبلد الأمين مبعث خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم؛ فكان القسم استحضاراً لسلسلة الوحي كلها شاهدةً على مضمون الجواب.
لم تُترك «البينة» مبهمة، بل فُسّرت في الآية بعدها: {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً}؛ فالحجة ليست فكرة مجردة بل مبلِّغ ومبلَّغ؛ رسول يُرى، ووحي يُتلى.
{كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}؛ فأُسند الفعل إلى وصف الربوبية مضافاً إلى ضمير النبي ﷺ؛ وفي هذا تقرير أن ما جرى لم يكن حادثاً طبيعياً ولا صنيع قبيلة، بل فعل الرب المدبر.
الطعام والأمن؛ وهما قوام البدن وقوام الاجتماع؛ فمن اجتمعا له فقد أوتي مادة العيش كلها. وذكرهما في مقام الامتنان تنبيه على أن ما وراءهما فضول، وأن من طُولب بالشكر فقد استُوفيت في حقه أسباب الشكر.
وصف المشركون النبي ﷺ بالبتر، وهو الانقطاع والقلة؛ فجاء الجواب بلفظ يفيد الكثرة الغالبة الجامعة، ولم يقتصر على نفي البتر؛ لأن نفي النقص لا يبلغ مبلغ إثبات الوفرة.
جاء {الْكَوْثَرَ} معرَّفاً بلام تحتمل الجنس، ولم يُقيَّد بنوع من الخير؛ فدخل فيه نهر الجنة الذي جاء تفسيره في السنة، ودخل فيه الحوض والنبوة والقرآن والشفاعة وكثرة الأتباع وبقاء الذكر؛ فاللفظ الواحد استوعب وجوه العطاء كلها.
ختمت السورة بردٍّ يقلب الميزان: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}؛ فلم تكتفِ بدفع الوصف عن النبي ﷺ، بل ألزمت به من رماه به؛ وجاء ضمير الفصل {هُوَ} ليقصر الوصف عليه ويخرجه عن غيره.
السورة في جملتها تُعلِّم أن العبرة ببقاء الذكر واتصال الأثر لا بامتداد النسب؛ فأبناء من شنِئوا انقرضت أسماؤهم، وذِكر النبي ﷺ مرفوع في كل أذان إلى قيام الساعة.
جُعل الجواب وحياً منقولاً لا رأياً للنبي ﷺ؛ فأُخرج الأمر من دائرة الاجتهاد الشخصي إلى دائرة التبليغ الملزم؛ وفي هذا قطع لطمع المساومين في أن يلين الأمر باللقاء والمراجعة.
نفي الموافقة في الحال والاستقبال من الجانبين.
أبو لهب عمّ النبي ﷺ من صلب عبد المطلب، وأقرب إليه في النسب من كثير ممن سبق إلى الإسلام؛ فلم يشفع له القرب في نسب، ولا الصهر الذي كان بين بيتيهما.
نزل الخبر بأنه سيصلى ناراً ذات لهب وهو حيّ يسمع ويُتلى عليه سنين؛ وكان في وسعه أن ينقض القرآن كله بكلمة يظهر بها الإسلام؛ فلم يفعل، ومات على ما أُخبر به؛ فكانت السورة حجة قائمة على صدق الوحي إلى قيام الساعة.
افتُتحت السورة بالأمر {قُلْ} تكليفاً للنبي ﷺ بتبليغ الجواب على وجه الوحي لا على وجه الرأي؛ فليس تعريف الرب مما تبلغه العقول باستقلالها، بل هو مما يُتلقى عن الله في وصف نفسه.
نسبة الخلق إليه سبحانه في {مَا خَلَقَ} تقرر أن ما يُستعاذ منه واقع تحت ملكه؛ فلا ثنوية ولا استقلال لجهة الشر بالتأثير.