انفطار السماء، ثم انتثار الكواكب، ثم تفجير البحار، ثم بعثرة القبور؛ فالنظر ينحدر من سقف الكون إلى زينته إلى ماء الأرض إلى بطنها؛ حتى ينتهي إلى الموضع الذي فيه الإنسان نفسه. وهذا الترتيب النازل يهيئ لجواب الشرط الذي هو محور السورة: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}.
مخاطبة الإنسان بالتوبيخ، ثم الاحتجاج عليه بخلقه، ثم كشف علة اغتراره، ثم تقرير الرقابة عليه.
بعد الاستفهام يأتي الردع والتصريح: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}؛ فليست العلة جهلاً بالخالق ولا شبهة في الخلق، بل تكذيب بيوم الجزاء؛ فمن أسقط الحساب من حسابه هان عليه كل شيء.
{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}؛ جملتان متوازيتان في البناء متقابلتان في المضمون، ليس بينهما منزلة ثالثة في هذا المقام؛ ثم تُتبع الثانية بما يقطع رجاء الخروج: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}.
افتتحت السورة بمشهد السماء وهي تنشق ثم تُصغي وتنقاد لأمر ربها، والأرض وهي تُمدّ وتُلقي ما في جوفها ثم تُصغي وتنقاد؛ فوقع هذا المشهد الحسي مقدمةً لخطاب الإنسان الجاحد، ليُقرَّر عليه أن الأجرام العظام تُسلّم لأمر خالقها، فما عذر النطفة المهينة إذا أبت وتكبّرت.
انقياد السماء والأرض لأمر ربهما يوم تنفرط الدنيا.
القسم بأطوار الأفق والقمر على تقلّب الإنسان في الأطوار.
القسم بالشفق والليل وما جمعه وضمّه والقمر إذا تكامل بدراً، على أن الإنسان راكب أطواراً بعد أطوار: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ}؛ فالمقسم به مثال محسوس للمقسم عليه، إذ ينتقل الأفق من حمرة إلى ظلمة، وينتقل القمر من محاق إلى تمام.
افتتحت السورة بالقسم بالسماء ذات المنازل المحكمة، وباليوم الموعود، وبشاهد ومشهود؛ فجمع القسم بين آية الإحكام في الكون، وموعد الفصل في الآخرة، وحضور الشهادة على العمل؛ وهذه الثلاثة هي أركان الجواب الذي بُنيت عليه السورة.
{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ}؛ فحكت السورة صورة قوم شقّوا في الأرض شقاً وأضرموا فيه ناراً وأحرقوا المؤمنين لا لجرم إلا الإيمان، وقعدوا على حافة الأخدود يشهدون العذاب ويتلذذون بمنظره؛ فكان هذا أشنع ما يُتصور من العدوان، وأدلّ ما يُساق في تسلية المستضعفين.
القسم بالسماء والنجم الثاقب على أن كل نفس عليها رقيب حفيظ.
القسم بالسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع على صدق القرآن وجديته.
القسم الثاني بالسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع جواب عن دعوى المشركين أن القرآن أساطير وسحر وشعر: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}؛ فالقرآن قاطع في بابه، جادّ في مقصده، لا يحتمل المزاح ولا يُتخذ موضعاً للاستهزاء.
افتتحت السورة بالأمر بالتسبيح {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، ثم أتبعته بسلسلة من الأفعال الموصولة تبيّن موجب هذا التنزيه: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ}؛ فالتسبيح ههنا ثمرة نظر في سنن الله في خلقه، لا مجرد لفظ يُقال.
الأمر بتسبيح الرب الأعلى، وبيان موجبه من سنن الخلق والتقدير والهداية والإنبات.
جمعت الآيات الثلاث أطوار الفعل الإلهي في الخلق: إيجاد، ثم إتقان للصورة، ثم تقدير للوظائف والآجال، ثم هداية لكل مخلوق إلى ما خُلق له؛ وهو أصل جامع يشمل الإنسان والحيوان والنبات.
لما كان أصل التكذيب هو استبعاد الإعادة، صرفت السورة النظر إلى أربع مخلوقات يراها البدوي في صحرائه كل يوم: الإبل والسماء والجبال والأرض؛ فالحجة مأخوذة من دائرة المخاطب لا من خارجها.
النظر في أربع آيات كونية.
حدود وظيفة الرسول ﷺ ومرجع الخلق إلى الله.
انتقلت السورة نقلة مباغتة من صخب الدنيا إلى دك الأرض ومجيء الرب سبحانه والملائكة صفوفاً والإتيان بجهنم؛ ليقع التذكر حين لا ينفع التذكر: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ}، وتنطلق الحسرة الكبرى: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}.
ساق الله سبعة أقسام متتابعة بأزواج كونية متقابلة (الشمس وضحاها، القمر إذا تلاها، النهار إذا جلاها، الليل إذا يغشاها، السماء وما بناها، الأرض وما طحاها، ونفس وما سواها)؛ ليجعل النظام المطّرد في الآفاق برهاناً على أن في النفس نظاماً مثله: نوراً وظلمة، وارتفاعاً وانحطاطاً، وتجلياً وغشياناً.
أقسم الله بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا تجلى، وبخلق الذكر والأنثى؛ فانتقل من ثنائية الزمان إلى ثنائية النوع؛ وكلها مخلوقات متضادة الأوصاف مؤتلفة في الحكمة، صادرة عن مدبر واحد. فكان القسم بها حجةً على المقسَم عليه لا مجرد تعظيم؛ إذ من جعل الليل ضد النهار والذكر ضد الأنثى هو الذي جعل السعي أضداداً.
بدأت السورة بشرح الصدر لا بالنصر ولا بالتمكين؛ لأن أعظم ما يُعطاه الداعية سعة صدر تحتمل الأذى وتستوعب الخلق وتقوى على حمل الأمانة؛ وسائر العطايا فرع على هذا الأصل.
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}؛ وهي منّة يقابل بها ما قصده المشركون من الوضع والحط؛ فكان الرد على تحقيرهم برفع لا ينقطع ما دام في الأرض من يشهد الشهادتين ويؤذَّن للصلاة.
جاءت الأقسام الثلاثة على وجه من التوجيه يجعلها إشارة إلى مواطن نزول الوحي: أرض التين والزيتون التي بُعث فيها من بُعث من أنبياء بني إسرائيل، وطور سينين موضع تكليم موسى عليه السلام، والبلد الأمين مبعث خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم؛ فكان القسم استحضاراً لسلسلة الوحي كلها شاهدةً على مضمون الجواب.
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}؛ وهو تقرير لكرامة النوع الإنساني في صورته وعقله واستعداده؛ فلم يُخلق ناقصاً ولا مهملاً، بل كامل الآلة تام الاستعداد.
جواب القسم في بيان أصل الخلقة والمآل.
{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}؛ فالانحدار طارئ لا أصلي؛ وقد دلّ الاستثناء بعده على أن سببه ترك الإيمان والعمل، لا نقص في أصل التسوية.
افتتاح الوحي بالأمر بالقراءة وتقرير نعمتي الخلق والتعليم.
{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} تصوير لحركة نازلة من الملأ الأعلى إلى الأرض، مقيدة بالإذن {بِإِذْنِ رَبِّهِم}؛ فليس في الكون فعل مستقل عن الإذن الإلهي ولو كان فعل الملائكة.
ختمت السورة بمقابلة حاسمة بين {شَرُّ الْبَرِيَّةِ} و{خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}؛ فلا منزلة بين المنزلتين بعد قيام البينة، والفاصل بينهما الإيمان والعمل الصالح لا النسب ولا الانتساب إلى كتاب.
افتُتحت السورة بمشهد الزلزلة الجامعة؛ وهي أول ما يقرع الحس؛ إذ الأرض هي الأصل الذي يُبنى عليه إحساس الإنسان بالأمان؛ فإذا اضطربت انهار في نفسه كل ما بُني على ثباتها.
انقلاب الأرض وذهول الإنسان.
كانت الأرض تبتلع الأجساد وتستر الجرائم وتطوي الآثار؛ فإذا كان ذلك اليوم لفظت ما ابتلعت وأنطقها الله بما شهدت؛ فانتقلت من موضع الحرز إلى موضع الشهادة.
نطق الأرض بأمر ربها، وصدور الناس لرؤية أعمالهم.
عُلّل نطق الأرض بأمر واحد: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}؛ فلا هي تفعل باستقلال، ولا الحادث خارج عن التدبير؛ بل هو تنفيذ لأمر صدر من الرب سبحانه.
{أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}؛ فالدواء المذكور استحضار يوم لا يبقى فيه مدفون في أرض ولا مكتوم في صدر؛ فمن أيقن به انصرف عن شحه.
صوّرت السورة اليوم بصورتين لا ثالث لهما: الناس {كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ}، والجبال {كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}؛ فجُمع بين أضعف ما يطير وأثقل ما يُرى في الأرض؛ ليُعلم أن الاجتياح شامل للضعيف والقوي معاً.
قسمة الخلق إلى فريقين بميزان واحد.
قرنت السورة الوصف الأول بالوصف الثاني {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ}؛ لأن الاستطالة على أعراض الخلق كثيراً ما تنبت من الاستغناء المتوهَّم؛ فمن رأى نفسه فوقهم بماله هان عليه أن يجعلهم مادة سخريته.