{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا}؛ آية واحدة موجزة قابلها في المقابل ثمانية عشر آية في نعيم الأبرار؛ وهذه القسمة نفسها رسالة في سبق الرحمة للغضب.
الوفاء بالنذر، والخوف من يوم مستطير شره، وإطعام الطعام على حبه للمسكين واليتيم والأسير، وتجريد النية لوجه الله دون طلب جزاء ولا شكور.
أمر تهكمي بالانطلاق إلى ما كانوا يكذبون به، ثم إلى ظل من دخان ذي ثلاث شعب لا يظل ولا يقي، ثم وصف شرر النار بأنه كالقصر وكأنه جمالات صفر؛ فالمشهد يتدرج من السَّوق إلى الظل الكاذب إلى الشرر المتطاير.
افتتحت السورة بعتاب رباني لطيف في شأن الإعراض عن رجل أعمى فقير جاء يطلب العلم، والإقبال على صناديد مستغنين لا يرجى منهم إقبال؛ لتقرر أن ميزان القرب من الله هو الزكاة والتذكر والخشية، لا الغنى والحسب والوجاهة.
افتتحت السورة بكلمة {وَيْلٌ} — وهي أشد كلمات الوعيد — على من يبخس في الكيل والوزن شيئاً طفيفاً؛ فإذا كان هذا في الطفيف، فما الظن بالكثير؟ وفي هذا تأسيس لقاعدة أن الشريعة تسدّ باب الظلم من أضيق مداخله.
لم تقف السورة عند تقبيح الفعل، بل نزلت إلى منبته في القلب: {أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ فالبخس في المكيال ثمرة، وأصلها شجرة نسيان الموقف بين يدي الله.
تقرير أن للفجار كتاباً مصيره {سِجِّينٍ}، وللأبرار كتاباً مصيره {عِلِّيِّينَ}، وكلاهما {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}؛ فالأعمال محصاة مثبتة لا تضيع منها ذرة، وسجل الأبرار مشهود من الملأ الأعلى: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}.
عرض الفريقين بأسلوب التفصيل بعد الإجمال: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} فحسابه يسير وانقلابه إلى أهله مسرور، {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} فدعواه الثبور ومصيره السعير.
افتتحت السورة بالقسم بالسماء ذات المنازل المحكمة، وباليوم الموعود، وبشاهد ومشهود؛ فجمع القسم بين آية الإحكام في الكون، وموعد الفصل في الآخرة، وحضور الشهادة على العمل؛ وهذه الثلاثة هي أركان الجواب الذي بُنيت عليه السورة.
{وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}؛ فقُصر الذنب المزعوم على الإيمان وحده، وجيء بوصفي العزة والحمد ليتبيّن أن المنقوم عليه ليس نقصاً يُعاب بل كمال يُحمد؛ وهذا من أبلغ أساليب فضح الظالم بمنطقه هو.
ختم مقطع الوعيد بسلسلة من أوصاف الجلال والجمال: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}، {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ}، {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ}، {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ}، {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}؛ فجُمعت القدرة والإعادة والمغفرة والمودة والملك والنفوذ في نسق واحد؛ إذ لا يثبت القلب بمجرد الوعد حتى يعرف صفة الواعد.
جواب القسم الأول هو المقصد الأول: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}؛ فلا نفس مُهملة ولا عمل ضائع، والحفظ يشمل حفظ الوجود والرعاية، وحفظ الأعمال بالإحصاء والكتابة؛ وهذا الأصل هو الذي تنبني عليه بقية السورة، إذ لا معنى للحساب دون إحصاء، ولا معنى للإحصاء دون بعث.
قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} هو مفصل السورة وعمودها؛ فهو تعليل لما مضى من إهلاك الأمم، وتمهيد لما يأتي من محاسبة الأفراد؛ ومعناه أن المهلة ليست إهمالاً، وأن تأخر العقوبة لا يعني سقوطها، بل الطريق الذي يسلكه الطاغي مرصود عليه من مبتدئه إلى منتهاه.
لم يترك القرآن الدعوى مجردة، بل عيّن أربع علامات عملية تفضح صاحب الميزان الفاسد: ترك إكرام اليتيم، وترك التحاض على طعام المسكين، وأكل الميراث أكلاً جامعاً لا يفرق بين حلال وحرام، وحب المال حباً مفرطاً مستحوذاً. فربط الاعتقاد الخاطئ بسلوك ظاهر يُقاس به.
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} جواب القسم وبؤرة السورة؛ فهو تقرير أن المشقة ملازمة لهذا المخلوق من نطفته إلى منتهاه؛ وهذا الأصل هو الذي تُبنى عليه بقية السورة: إذ ما دام لا مفرّ من التعب، فليكن التعب في اقتحام العقبة لا في جمع المال.
بعد تعداد أعمال البر جاء {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}؛ فقُيّد قبول العتق والإطعام بالإيمان والتواصي؛ وهو نظير ما تقرر في سورة الغاشية من أن العمل بلا إيمان نصب بلا ثمرة.
{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ}؛ فبعد أن جعل البخل والاستغناء رأس الطريق الثاني، كشف عن حقيقة ما استغنى به: عرَض لا يصحب صاحبه لحظة السقوط في القبر أو في النار؛ فبطل أن يكون المال معياراً أو ملجأً.
إلزام المكذب وتقرير كمال الحكم.
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}؛ فرُدّ الأمر إلى برهان عقلي جامع: أن حكمة الحاكم تأبى التسوية بين من أحسن ومن أساء؛ فإثبات الجزاء لازم لإثبات الحكمة.
{كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}؛ فبيّنت السورة أن العلة ليست الغنى في نفسه بل رؤية النفس مستغنية؛ فهو داء في النظر لا في المال.
{خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} ليست مجرد خبر عن ليلة، بل تأسيس لمبدأ أن البركة في الأوقات ليست تابعة لطولها؛ فأمة قصيرة الأعمار تُعطى ليلة تعدل أكثر من ثلاث وثمانين سنة من عمل غيرها.
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} تقرير أن التوحيد والإخلاص والحنيفية والصلاة والزكاة هي جوهر ما أُمرت به الأمم قاطبة؛ فالخلاف لم يقع في الأصل بل في الوفاء به.
نطق الأرض بأمر ربها، وصدور الناس لرؤية أعمالهم.
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}؛ فبيّنت السورة أن غاية الحشر ليست مجرد الجمع، بل الإراءة؛ وهي أبلغ من الإخبار؛ إذ الحجة بالمشاهدة لا تُدفع.
{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}؛ فرُدّ الكنود إلى علته؛ وهي شدة التعلق بالمال؛ فمن اشتد حبه للعاجل ثقل عليه بذله وضعف عنده تعظيم المنعم.
انتقلت السورة من المشهد الكوني إلى الحكم الفردي: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}، {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}؛ فلم يُذكر حسب ولا مال ولا جاه؛ بل رجحان كفة أو خفتها.
افتتحت السورة بالقسم بالعصر؛ وهو الزمن الذي تنقضي فيه الأعمار وتُصرم فيه الآجال؛ فكان المقسَم به شاهداً على المقسَم عليه: إذ الزمن نفسه هو الذي يُخسر فيه الخاسرون ويربح فيه الرابحون.
قرنت السورة الوصف الأول بالوصف الثاني {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ}؛ لأن الاستطالة على أعراض الخلق كثيراً ما تنبت من الاستغناء المتوهَّم؛ فمن رأى نفسه فوقهم بماله هان عليه أن يجعلهم مادة سخريته.
فرَّعت السورة على العطاء أمرين بالفاء: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}؛ فجعلت الشكر عملاً بدنياً ومالياً معاً، وحصرته في وجهة واحدة هي وجه الرب سبحانه؛ فقُوبل شرك المشركين في الذبح والنسك بتوحيد خالص في العبادتين.
السورة قاعدة في خواتيم الأعمال كلها؛ فالصلاة تُختم بالاستغفار، والحج يُختم بالاستغفار، والعمر يُختم بالتوبة؛ فما بُني على هذا سلم من العجب.
نصّت السورة على نفي الغناء عن المال والكسب نفياً مطلقاً؛ فهي تقرير لقانون عام في سائر الخلق، ولكنه سيق في صورة حالة معيّنة ليكون أثبت في النفوس من القاعدة المجردة.
فهو السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج كلها لا يُصمد إلى غيره، وهو الذي كمُل في سؤدده وعلمه وحلمه وقدرته فلا نقص فيه بوجه.
{يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}؛ فالأذى المستعاذ منه ليس ضرراً في بدن ولا مال ولا أهل، بل خللٌ في التصور والإرادة؛ وهو أخطر ما يصيب الإنسان؛ إذ الجوارح تابعة لما استقر في الصدر.