ساقت السورة مصارع أربع طوائف: ثمود أُهلكت بالطاغية، وعاد أُهلكت بريح صرصر عاتية سُخّرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وفرعون ومن معه، والمؤتفكات قرى قوم لوط. والمقصد أن الذي أهلك هؤلاء في الدنيا بأسباب مشهودة قادر على البعث والجزاء في الآخرة؛ فالإهلاك بعث مصغّر، والدنيا معرض من معارض قدرته.
نفخة واحدة تكفي لانهيار البناء كله: حمل الأرض والجبال ودكّهما دكة واحدة، ووقوع الواقعة، وانشقاق السماء حتى تصير واهية، وقيام الملائكة على أرجائها، وحمل ثمانية للعرش فوقهم. فالبناء الذي بُني بكلمة يُنقض بنفخة، وذلك أهون في حق القدرة من الابتداء.
{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تكسر المقياس البشري للزمن؛ فما يعده المستعجل تأخيراً ليس عند الله إلا لحظة، وما يعدّه المؤمن انتظاراً طويلاً ليس في ميزان الآخرة إلا يسيراً. ثم صُرّح بهذا المعنى في {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا}.
توبيخ المستهزئين وقطع طمعهم والقسم على القدرة والختام بمشهد الخروج.
مقطع {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} يقطع دابر الطمع الكاذب في الجنة بغير إيمان، ويذكّرهم بأصل خلقهم من ماء مهين، ثم يقسم بربّ المشارق والمغارب على القدرة على استبدالهم بخير منهم، وهو أشد ما يُقرع به المستكبر: أنه ليس بضروري في ملك الله.
تصوير الإعراض، وكشف علته، والختم بالتذكرة والمشيئة.
عادت السورة في خاتمتها إلى ما بدأت به من الإنذار، فصوَّرت إعراض المكذبين تصويراً محسوساً بالحُمُر النافرة من الأسد، وكشفت عن دعواهم في طلب الصحف المنشَّرة، ثم ردَّت العلة إلى أصلها: {كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ}، وخُتمت بأن القرآن تذكرة، وأن الذكرى موقوفة على مشيئة الله، وأنه سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة.
لم يكتف الجواب بإثبات القدرة على جمع العظام، بل ارتقى إلى ما هو أدق: تسوية البنان وردّ أطرافه على هيئته الأولى: {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}؛ فالقادر على الدقيق أقدر على الجليل.
العودة إلى نشأة الإنسان الأولى من نطفة ثم علقة ثم تسوية وتقدير للزوجين؛ لينتهي إلى السؤال الذي لا جواب له إلا التصديق: {أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ}.
تشخيص داء المكذبين وتقرير القدرة والمشيئة والرحمة.
{نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا}؛ فمن أحكم خلقهم قادر على استبدالهم.
{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}؛ فبعد أن فُتح باب الاختيار في أول السورة، رُدّ الأمر آخرها إلى مشيئة الخالق؛ فاجتمع إثبات فعل العبد وتقرير عموم قدرة الرب.
مسلك التاريخ ({أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ})، ومسلك النفس ({أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ})، ومسلك الأرض ({أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا})؛ فمن أهلك وأنشأ ومهّد فهو على الإعادة أقدر.
عرض القرآن تسع آيات كونية ونعم حسية مشهودة وملموسة تقطع دابر الشك في قدرة الخالق: - جعل الأرض مهاداً ممهدة للاستقرار والمعاش. - نصب الجبال أوتاداً لتثبيت قشرة الأرض. - خلق الأزواج ذكوراً وإناثاً لامتداد النسل والأنس. - جعل النوم سباتاً لراحة الأجساد وسكونها. - جعل الليل لباساً ساتراً والنهار معاشاً للحركة والكسب. - بناء سبع سموات شداد محكمة البناء. - جعل الشمس سراجاً وهاجاً يفيض بالضياء والدفء والطاقة. - إنزال الماء الثجاج من السحاب المعصرات لإخراج الحبوب والنباتات والجنات الملتفة. فالذي قدر على إنشاء هذا العالم الباهر وإحياء موات الأرض بالماء، قادر بلا ريب على إحياء الأجساد البالية وبعثها للحساب.
براهين القدرة الإلهية والإنعام الكوني التساعي.
البرهان الكوني على القدرة على البعث والامتنان بالنعم.
الانتقال من عتاب النبي ﷺ في شأن مُقبِل إلى تقريع جنس الإنسان المكذب: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}، ثم مساءلته عن أصله: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}، وسرد أطواره الخمسة: النطفة، والتقدير، وتيسير السبيل، والإماتة والإقبار، والإنشار.
الاستدلال بمائدة الطعام على القدرة والنعمة.
توجيه النظر إلى الطعام اليومي المألوف وسلسلة أسبابه من صبّ الماء وشقّ الأرض وإنبات الحبّ والعنب والقضب والزيتون والنخل والحدائق الغلب والفاكهة والأبّ؛ فالذي أحيا الأرض الميتة بالماء قادر على إحياء الأجساد بعد بلاها.
القسم على صدق الوحي وتبرئة الرسول والملَك ثم تقرير المشيئة.
ختمت السورة بأدق ما في باب القدر؛ فأثبتت للعبد مشيئة حقيقية يُناط بها التكليف: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ}، ثم ردّت تلك المشيئة إلى مشيئة الخالق التي لا يخرج عنها شيء: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}؛ فقطعت بذلك طريق الجبرية والقدرية معاً في آيتين متجاورتين.
قُررت الحجة بثلاثة أفعال متعاقبة بالفاء: {خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}، ثم بجملة رابعة: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}؛ فالبرهان مأخوذ من ذات المخاطب لا من خارجه؛ إذ لا يحتاج الإنسان في معرفة قدرة خالقه إلى أبعد من نفسه.
ختم مقطع الوعيد بسلسلة من أوصاف الجلال والجمال: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}، {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ}، {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ}، {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ}، {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}؛ فجُمعت القدرة والإعادة والمغفرة والمودة والملك والنفوذ في نسق واحد؛ إذ لا يثبت القلب بمجرد الوعد حتى يعرف صفة الواعد.
الأمر بتسبيح الرب الأعلى، وبيان موجبه من سنن الخلق والتقدير والهداية والإنبات.
جمعت الآيات الثلاث أطوار الفعل الإلهي في الخلق: إيجاد، ثم إتقان للصورة، ثم تقدير للوظائف والآجال، ثم هداية لكل مخلوق إلى ما خُلق له؛ وهو أصل جامع يشمل الإنسان والحيوان والنبات.
أقسم الله بالفجر، وبليال عشر، وبالشفع والوتر، وبالليل إذا يسري؛ وكلها أزمنة متحركة متبدلة، تشهد بأن هذا الكون قائم على التداول والانقضاء لا على الثبات؛ فمن ظن أن حاله دائم فقد كذّبته الأزمنة نفسها. ثم عقّب بقوله: {هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} تنبيهاً على أن هذا البيان إنما ينتفع به صاحب العقل الحاجز عن الهوى.
الإخبار عن إنزال القرآن في ليلة القدر.
ختمت السورة بأن هذه الليلة {سَلَامٌ} من أولها إلى مطلع الفجر؛ فالمقادير التي تُكتب فيها لا يصحبها في ليلتها شر ولا أذى؛ وهو ختام يجمع بين الطمأنينة والرجاء.
{لَفِي خُسْرٍ} نكرة تفيد التعظيم والإبهام؛ أي في خسر عظيم لا يُحد نوعه ولا يُحصر قدره؛ وفي الظرفية {فِي} إشعار بأن الخسران محيط بالإنسان إحاطة الوعاء بالمظروف لا مجرد ملابسة عارضة.
فهم الراسخون من الصحابة أن تمام النصر علامة انقضاء العمل، وأن المرء إذا أُتم له ما بُعث لأجله فقد قرب انصرافه؛ وهي إشارة تُعلم المؤمن أن يستكثر من الزاد كلما تمت له مرحلة.
فهو السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج كلها لا يُصمد إلى غيره، وهو الذي كمُل في سؤدده وعلمه وحلمه وقدرته فلا نقص فيه بوجه.
{بِرَبِّ الْفَلَقِ}؛ ففي الاسم دليل على القدرة، وفي المضاف إليه دليل على أن هذه القدرة جارية مطردة كل يوم؛ فالمستعيذ يلجأ إلى من يرى أثر قدرته في كل فجر.
{بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ}؛ فالربوبية تربية وإيجاد وإمداد، والملك سلطان نافذ وتدبير قاهر، والألوهية استحقاق للعبادة وحده؛ فاجتمع للمستعيذ من يقدر على دفع عدوه، ويملك أمره، ويستحق أن يُفرد بالطلب.