- استهلت السورة بإعلان الحمد لله فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، مما يقرر عظمة الصانع وجلال قدرته وانفراده باختراع الوجود بلا شريك ولا معين.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}؛ فالفقر وصف لازم للخلق في كل ذرة ونَفَس، والغنى والحمد وصف ذاتي أزلي لله تعالى، لا تنفعه طاعة المطيعين ولا تضره معصية العاصين، وقدرته نافذة في إذهاب المكذبين والإتيان بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز.
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}؛ إذ كلما ازداد العبد معرفة بعظمة الصانع في الآفاق والأنفس، عظمت خشيته وخضوعه.
{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}، وسنة الله الثابتة التي لا تتبدل ولا تتحول.
- إحياء الأرض الميتة وإخراج الحب والجنات وفجر العيون. - آية الليل المسلوخ منه النهار لتبديد الظلمات. - جريان الشمس لمستقرها المقدر بحكمة العزيز العليم. - منازل القمر الدقيقة حتى يعود كالعرجون القديم. - حفظ الإنسان وذريته بحملهم في الفلك المشحون وخلق مراكب البر والبحر.
{مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، وجاء الجواب الإلهي الصاعق في خواتيم السورة: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}، والاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر، وخلق السماوات والأرض، وختام السورة بتقرير نفوذ كلمة «كن» المطلقة وتنزيه مالك الملكوت: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ}.
تفصيل قصة خلق آدم وامتناع إبليس بدافع الكبر والحسد، ليعلم المشركون أن استكبارهم عن اتباع محمد ﷺ هو امتداد مباشر لمنهج إبليس الرجيم.
خصومة قريش مع التوحيد، وتسور الخصمين محراب داود، وتخاصم الملأ الأعلى في خلق آدم والدرجات والكفارات، وتخاصم أهل النار في دركات الجحيم.
النداء الرباني المفعم بالرحمة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
تقديم مشهد غيبي مهيب يخلع القلوب ويملأ نفوس القلة المستضعفة في الأرض عزة وسكينة، وهو مشهد حملة العرش الأطهار ومن حوله وهم يسبحون بحمد ربهم، ثم ينعطفون مستغفرين للمؤمنين التائبين داعين لهم بالجنة والوقاية من السيئات وعذاب الجحيم وجمعهم بأهلهم الصالحين: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا...}، ليعلم المؤمن المحارب في الأرض أنه ليس وحده، بل إن صفوة خلق الله في أعظم أرجاء الكون تسأل الله له النجاة والنصرة والجنة.
تقديم تقرير كوني بديع ومحكم في مراحل خلق الأرض في يومين، وتقدير أقواتها وبركتها وإرساء جبالها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استواء الخالق إلى السماء وهي دخان، وإذعان الكون كله لله طوعاً: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}، وقضاء سبع سموات في يومين؛ في محاكمة عقلية تسقط كبرياء المشرك الذي يكفر بالذي خلق الأرض في يومين ويجعل له أنداداً.
إكرام الثابتين على التوحيد: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}؛ تثبيتاً لقلوب الفئة المؤمنة المستضعفة في الأرض.
الآية المحكمة الفاصلة في الأسماء والصفات: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
{مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ}.
الاستدلال ببناء السماء ورفعها بلا فروج، وبسط الأرض وإرساء الجبال، وإنزال الماء المبارك وإحياء الأرض الميتة بعد همودها؛ فمن أحيا الهشيم بعد موته قادر بالبداهة العقلية على إعادة الأجساد بعد فنائها.
تجلية قدرة الله على خلق الإنسان، وعلمه بأدق وساوس صدره، وقربه منه الذي يفوق قربه من حبل وريده، مع إقامة الحفظة الكرام (رقيب وعتيد) لتقييد الألفاظ والحركات.
لفت العقول إلى النظر في استقرار الأرض، والتأمل في عجائب الصنعة الإلهية داخل البنية الجسدية والنفسية للإنسان {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}، وإرساء العقيدة الراسخة بأن مادة الرزق ومصدره مقدر في السماء، والتأكيد بالقسم على أن ذلك حق ويقين لا يتطرق إليه شك كما لا يشك المرء في نطقه.
آيات الخلق العظيم، الفرار إلى الله، الغاية من خلق الثقلين، والوعيد النهائي*:
تصوير زلزلة الكون يوم تمور السماء موراً وتسير الجبال سيراً، وسَوْق المكذبين بالدعِّ العنيف إلى نار جهنم وتبكيتهم على تكذيبهم السابق.
إقامة سلسلة بديعة من البراهين العقلية المبددة للشك؛ تبدأ بنفي تهم الكهانة والشعر، وتنتقل إلى التحدي بالإتيان بحديث مثله، ثم حصر العقول في بديهيات الوجود: هل خُلقوا من غير خالق؟ أم هم الخالقون لأنفسهم؟ أم خلقوا السموات والأرض؟ أم عندهم مفاتيح الأرزاق والتدبير؟ أم لهم سلطان يقهرون به؟
طمأنة النبي صلى الله عليه وسلم بالبشارة الإلهية العظيمة: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وتوجيهه إلى التسلح بالصبر الدائم وتسبيح بحمد ربه في أدبار الليل وإدبار النجوم.
المحاكمة العقلية الساحقة بسلسلة الاستفهامات الإنكارية الخمسة عشر: (أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السموات والأرض؟ أم عندهم خزائن ربك؟ أم هم المصيطرون؟ أم لهم سلم يستمعون فيه؟ أم له البنات ولكم البنون؟ أم تسألهم أجراً؟ أم عندهم الغيب؟ أم يريدون كيداً؟ أم لهم إله غير الله؟ سبحان الله عما يشركون).
عناد المشركين المستحكم حتى لو رأوا كسفاً من السماء ساقطاً، وأمر النبي بتركهم حتى يلاقوا يومهم الذي يصعقون، وبيان عذابهم الأدنى قبل الأكبر.
خاتمة السكينة والأمر بالصبر لحكم الرب، والبشارة بالمعية الإلهية الخاصة {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، ومداومة التسبيح بحمد الله حين يقوم ومن الليل وإدبار النجوم.
القطب المقاصدي الحاكم لسورة القمر هو: **«الإنذار الحاسم بدنو القيامة وانخرام نواميس الكون عبر معجزة انشقاق القمر، وتعرية المكابرة النفسية للمكذبين، ومحاكمتهم بوقائع الاستئصال الصاعقة للأمم البائدة، مع إعلان التيسير الرباني للقرآن للذكر والاتعاظ، وتتويج ذلك ببيان قانون القدر الإلهي النافذ، وجزاء المجرمين في سقر والمتقين في مقعد صدق عند مليك مقتدر»**. ---
{عَلَّمَ الْقُرْآنَ} على خلق الإنسان؛ لأن حياة الروح سابقة في الرتبة على حياة الجسد. - خلق الإنسان وتعليمه البيان والنطق والتعبير.
الشمس والقمر بحسبان دقيق، سجود الكائنات العلوية والسفلية (النجم والشجر يسجدان). - إقامة ميزان العدل في الأرض والنهي عن الطغيان والتطفيف. - بسط الأرض وتزويدها بالأرزاق والأقوات والفواكه والنخل والحب ذي العصف والريحان.
الإنسان من صلصال كالفخار، والجان من مارج من نار. - ربوبية المشرقين والمغربين وتدبير حركات الفصول والأفلاك. - مرج البحرين (العذب والملح) يلتقيان وبينهما برزخ محكم لا يبغيان. - استخراج اللؤلؤ والمرجان، وتسخير الجوار المنشآت في البحر كالأعلام لنقل الأرزاق والمنافع.
{يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}.
{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ}. - التحدي المعجز بالفرار والنفاذ من أقطار السماوات والأرض، وعجزهم المطلق إلا بسلطان إلهي، وإرسال الشواظ والنحاس.
{فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ}.
رج الأرض، تفتيت الجبال ودكها حتى تصير هباءً منبثاً، وانقسام الناس إلى ثلاثة أصناف لا رابع لها: السابقون المقربون، أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}.
نصّت السورة على أن المال في يد العبد أمانة لا ملكاً مستقلاً: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}، وقرّرت أن الله وارث السماوات والأرض؛ فما يُمسكه الممسك سيؤول إلى مالكه الحق، فالإمساك حرمانٌ لا حفظ.
العتاب الرحيم {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا} مقرونٌ بالتحذير من مصير أهل الكتاب: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}؛ ثم أعقبه بالبشارة بأن القلب القاسي يحيا كما تحيا الأرض الميتة: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.
علّلت السورة ما نزل بهم بعلة واحدة صريحة: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}؛ فليست المسألة عداوة عنصرية ولا نزاعاً على أرض، بل مشاقّة للوحي بعد المعرفة به ونكثاً لميثاق مؤكد.
خطاب التقوى ومحاسبة النفس، ومثل الجبل، وخواتيم الأسماء والصفات.
ختمت السورة بثلاث آيات تعرض جملة من أسماء الله وصفاته مرتبة من التوحيد إلى التنزيه إلى الخلق والتصوير؛ فكأنها الجواب الأخير عن كل ما تقدم: من هذا الذي أخرجهم وقذف الرعب وقسم الفيء وأمر بالتقوى؟ هو الله الذي لا إله إلا هو.
افتتحت السورة بإخبار أن ما في السموات والأرض منقاد لله مسبح بحمده؛ فجاء التوبيخ بعده على من ينشز بقوله عن فعله؛ إذ كيف يشذ الإنسان بلسانه عن نظام كوني كله طاعة وانتظام.